سيــوف الأقــارب

سيــوف الأقــارب
لا تقتل أباك يا ولدي!
اندفع بركات غاضباً يريد الانتقام، بعد أن عرف السر الذى أخفته أمه طوال هذه السنين، قالت خضرة الشريفة:.
- يا ولدي .. لا تترك الغضب يعمي عينيك عن الحقيقة، ولا تنسى ان زرق هو والدك الحقيقى!.
التقت بركات ناحيتها فى عصبية، مستنكراً قولها .. وهو يحاول إخفاء غضبه:
- والدى يا أمى العزيزة هو الملك الزحلان، وهو الزحلان، هو آواك وآوانى.. بعد أن رماك رزق ورمانى لذباب الصحراء، هنا فى هذا البيت كبرت برعاية الزحلان وجبه، وتأدبت بنصائحه وعرفت عنه الصواب والخطأ.. فى حجره لعبت وعلى صدره حبوت ونمت صغيراً … وعرفت الحنان والهناء والأمان طفلاً .. والملاح والفرح صبياً، والشجاعة والفروسية شاباً .. لا أعرف أباً لى سواه.
ملأ الحزن عيون خضرة بالدموع وقالت وهى تربت على كتف ابنها، الذى يرتجف من الانفعال:
- يا بنى كل ما قتله صحيح ولكنك لن تستطيع مهما أنكرت، أن تتخلص من الدم الذى يجري فى عروقك.. يا ولدى . هذا قدرك .. أبوك هو الأمير رزق الهلالي كما أننى أنا خضرة بنت الشريف أمك.. وأنت مهما حدث هلالي من بنى هلال.. وإليهم تنتمي..
صاح بركات محتجاً:
- كيف تقولين هذا يا أمي .. بنو هلال هم الذين أهانوك وطردوك إلى الصحراء بلا رحمة أو شفقة..
نظرت خضرة فى عينه محاولة الابتسام، وقالت فى محاولة أخيرة لجعله يتراجع:
- الآن… عرفوا خطأهم..
- جريمتهم!.
- أوافقك.. عرفوا جريمتهم ألان.. وأستطيع أن أوكد لك أنهم تعمدوا أن يسألوك عن أبيك كي تعرف الحقيقة التى يريدون الاعتراف بها.. والاعتذار عنها طالبين السماح والمغرفة..
- وضع بركات كفه فوقه يد أمه التى كانت ما تزال فوق كتفه تهدئ من عصبيته:
- الجريمة لها عقاب .. ولن أسامحهم على ما فعلوه بك.. حتى ولو سامحتهم عما حدث لي.. الآن مهما كانت نواياهم فقد هاجموا أرض أبى .. ويريدون النجاة بجريمتهم الجديدة.. بجرحهم أبى ومحاولتهم قتله.. ولكنى لن أتركهم يفلتون أولئك الذين طردوك وطردونى رضيعاً إلى الفلاة والوحوش. تريدون أن يجاوزا على قسوتهم بالرحمة؟ وعلى نكرانهم صلة الدم بالمغرفة…؟ يا أمي أنها خدعة للنجاة بأفعالهم وعذرهم..
ولما وجدت خضرة إصراره على الخروج محاولاً الإفلات من يدها.. نظرت فى عينيه بعد أن جذبته إليها وقالت فى إصرار:
- لن أتركك تخرج إليهم إلا إذا وعدتنى ألا تؤذى والدك يا ولدى.. إنها ستكون جريمة بشعة وعاراً لا يفارقك أبد الدهر أن قتله .. ستكون أبشع وأش هولاً من فعلته القديمة القاسية. لن تفعل … عدنى … وإلا تخرج للميدان إلا على جثتى.. أرد بركات أن يرد متجنباً سهام نظراتها، ولكنها لم تعطه الفرصة، وظلت تسلطها عليه وتحملق مباشرة فى عينيه المبللتين بالدموع:
- دعنى يا بركات .. هيا.. عدنى!
مال برأسه مستسلماً متجنباً نظراتها المتحدية وقال:
- أعدك يا أمي ..ولكنى سأحضره أسيراً مقيداً ليطلب السماح منك. ومن أبى الملك الزحلان الذى مازال جرحه يهدد حياته الغالية.. وللملك أن يفعل به ما يشاء.. ولا تحاولي منعى من ذلك فأن مصمم على أن يكفر عن ذنبه نحوك.. وعدوانه على الملك الزحلان الذى هو رغم كل شىء .. أبى..
مدت خضرة ذراعيها واحتضنته فى حنان وهى تقول.
- مهما حدث يا بنى .. ومهما يمكن أن يحدث .. فلا تنسى أن فى عروقك تجرى دماء الأمير رزق وأنك هلالي يا بركات.
وأطلقت سراحه فانفلت كالسهم خارجاً من الخيمة ليقفز فوق فرسه صارخاً بأصحابه أن هيا إلى القتال يا رجال!!.

قتال .. الأحبة!!

قتال .. الأحبة!!
قال الراوى..
- اندفع بركات على حصانه شاهراً الحسام.. وهو يصيح صيحات الحرب ألحان الانتقام…
يا رزق لا تهرب

قد جاءك الفرسان
أخرج إلى الحرب

هيا إلى الميدان
بركات جاء إليك

يجزيك صنع يديك
نار على عينيك

تكشف لنا ما كان !
وانقض من ورائه فرسان بنى زحلان كالريح العاصف، يدفعهم للانتقام من زرق ما أصاحب ملكهم على يديه.. ساعتها فوجئ بنو هلال بالهجوم الخاطف فأسرعوا مذعورين واستطاع البعض الوصول إلى سلاحه.. بينما سقط الكثيرون قبل أن يتمكنوا من الوصول للخيول..
كان الخبر الذى وصلهم، أن بركات قد عرف أنه ينتمي إليهم .. وتوقعوا أن يمتنع عن قتالهم.. ولذا اطمئنوا وفرحوا بهذا الظن السعيد.. حتى فوجئوا بالهجوم الجديد، فأسرعوا يحتمون بالدروع والزرد الحديد، هيها.. هيهات .. كان الوقت قد فات .. وأعمل فيهم بركات وأصحاب السيوف فقتلوا منهم قبل أن يفتقوا المئات وجرحوا الألوف!!!.
وهنا خرج الأمير سرحان حيران، لا يكاد يصدق ما يرى.. فأمتطى الحصان بلا سلاح يريد أن يمنع ما جرى… كان يظن أن بركات سيلاقيه بالأحضان.. وسيوقف عندما يراه الضرب والطعان.
وتوقف بركات اللحظة يتأمل سرحان المقبل عليه.. لا سيف فى يديه أو زرد عليه… فصالح به ساخراً:
- هل أنت ذاهب إلى العيد.. أيها الرعايد!.
تلعثم سرحان وأخرسته المفاجأة وقال:
- يا ولدى ما تفعله لا يرضاه الرحمن ذو الجلال… فكيف تستبيح دماء أهلك بنى هلال؟!
-الآن أصبحت من بنى هلال، أفرحى يا شريفة، وتقولها أنت بالذات من بين الرجال .. ومن كنت أنا عندما كنت فى سن الأطفال .. هه؟ .. أم تتهم أمي بالخيانة يا سرحان؟ أم أنك نسيت ما كان يا جبان؟
صاح سرحان وهو يحاول تجنب وخزات بركات له ولحصانه بالحرية من اليمين ومن الشمال.. وقال:
- نحن الآن رجال.. فلا تستمر فى فعال العيار… آخ الآن أنت بطل من الأبطال، وسيد .. أه من سادة بنى هلال!
صاح بركات وهو يخزه وخزة موجعة:
- أخرس يا ودون .. وأذهب وارتد سلاحك وابتعد للنزال يا بطال…
ثم هجم عليه هجمة مفتعلة وهو يخزه فى جنبه وخزة غير محتملة.. جعلته ينتفض من الألم وجعلت حصانه يقفز فى الهواء ملقيا به على الغبراء… ولم يتركه بركات بل هجم عليه مهوشاً .. فانطلق سرحان صارخاً مهرولاً.. مشوشاً.. بطريقة جعلت كل من رآه .. يضحك لمرآة .. إذا مضى يتعثر فى سراويله.. متفادياً بصعوبة وخزات بركات، مختبئاَ منها خلف الرجال .. متعثراً فى الأحجار والجبال وبركات لا يريد أن يتركه.. بل ظل خلفه هنا وهناك يهدم فوق رأسه خيمة بضربة أو يدرجه فوق الرمال بالحرية..
وسرحان لا يكلف عن الصياح والصراخ .. ملوحاً بيديه الخالتين من السلاح ورأي الأمير رزق ذلك المنظر الساخر، فغضب غضباً شديداً من ابنه ، وثار واندفع ليحول بين سرحان وبركات كالإعصار..
وهنا صاح ابنه فى استبشار.
- ها قد خرجت أخيراً من مخبئك لمصيرك يا جبار.
فهجم رزق عليه وقد قرر إنهاء هذا الموقف المهين الذى لم يعجبه.. وقرر أن يكون الوالد الذى يقوم ابنه ويؤدبه.. والتحم الاثنان فى قتال مرير.. اصطدم الأب مع الأبن الصغير .. وكان هذا هو المأزق الخطير .. الأدب ضد الأبن…
وهنا توقف الجميع عن القتال .. وقد خفق قلوب الرجال.. من بنى زخلان ومن بنى هلال، كلهم فزع ومشفق بما يكون:
سيف لسيف قتال الأبن والوالد..
يالهف قلبى عليه الباغى والجاحد..
من الذى سوف يحمل ذنب فعلته..
الله فوق الجميع وفى السما شاهد!
***

مناوشات ومناقشات

مناوشات ومناقشات
طال القتال بين البطلين .. رزق الهلالى.. فارس بن هلال الجبار وبركات ابنه الغالى.. المنتسب للملك زحلان، والفارس الذى لا يشق له غبار..
كان زرق أقوى كثيراً من بركات.. لكنه كان يقاتل بقلب الوالد الذى يخفف حدة الهجمات!.
وكان بركات أكثرا تهوراً وخفة من رزق لكنه كان يهاجم بعاطفة الأن الذى يجعل الضربات تخيب فلا تصيب أباه فى ذكاء وصدق!!
حتى قال الأب:
- يا بنى أما آن الأوان أن نستمع لصوت العقل… وأن نكلف عن هذا القتال السخيف.. أنا لن أقتل ولدي!.
قال بركات وهو يشدد من هجماته:
- ولكنك ألقيت به إلى الفلاة طفلاً رضيعاً أيها الفارس الشريف..
- اغرورقت عينا رزق بالدموع وقال وهو يتفادى ضربات الرمح القاتل:
- أعترف أن ذلك كان خطأ كبيراً .. من بنى هلال جميعهم، فقد ملأ بعضهم قلبي بالكره لك.. وحاصروا أذنى بالتجني على أم ابنى.
غامت عينا بركات بدموع الغضب:
- لماذا يصدق العاقل ذو الحسب والنسب قول الجهال وعديمي الأدب..
هنا صاح به رزق صيحة والد يا أمر أبنه فى غضب ليطاع :
- كف عن الضرب .. واستمع لي، فإن عند ما يقال بين الرجال…
- وتوقف بركات على الفور كطفل كف عن تمرده أمام غضب والده.
- وماذا عندك لتقول وقد طردت أمي وصدقت الكذب الذى قيل عن الشريفة ابنه الشريف.. وصدقت ذلك القول السخيف؟.
- الجهل يا بنى .. قالوا أنها أشتهت أن يكون ابنها أسود كالغراب الذى شاهدته وهى حاملة..
- زعق بركات:
- خرافات .. كيف تصدق هذا القول الجاهل.
- فتنهد رزق وقال:
- يا ليتنى صدقته.. فما كنت لأطردها أو أتنكر لك لو صدقته.أنا لا أصدق الخرافات.. ولذلك لم يعطنى لو نك الأسود أى فرصة لتبين الحقيقة.
هنا برقت عينا بركات كشعلتين مضيئتين وسط ليل حالك.. ولمعت أسنانه كضياء بدر التمام فى ليلة شديدة الظلام… وكيف لحظة عن الكلام ثم صاح.ز
- أتعترض على قضاء الله؟ .. وبماذا يضيرك لونى؟ أم يكن بين أجدادك يوماً جد اسمر اللون أو جدة؟ أم يكن بين آباء خضرة أو أسلافها حبشى أو حبشية؟ .. هه؟! من أين يأتيك هذا اليقين.. يا ابن الكرام.. لقد نسيت دعوة النبى عليه الصلاة والسلام.
وتجاهلت قدرة رب الأنام .. الذى يعلم ما فى الأرحام؟
واندفع أشد غضباً نحو والده وكأنه يريد أن يعاقبه.. لولا أنه الوالد الفارس تجنب الضربة وتجنبه .. كان موقفاً ما أصعبه .. صدر رزق هجمته المباغتة بهجوم أشد وعاد للاصطدام والقتال بقوة فاقت كل حد.
وكان القوم من بنى هلال ومن الزحلان ينصتون لما دار من كلام وقد زاد أملهم فى السلام… ولكن الفلاح لا يدوم فقد وجه بركات ضربة ساحقة ما حقه تلقاه رزق بمهارة فائقة .. فسقط السيف البتار فوق الدرع وانزلق على رقبة الحصان. فسقط جثة هامدة.. ووقع رزق إلى جواره بلا سلاح. .. فانقض بركات وصاح صيحة شلت المراقبين وهو يحمل والده مقيداً فوق حصانه.. منطلقا به وسط ذهول الجميع من بنى زحلان ومن بنى هلال نحو خيام الملك الزحلان .. منهيا القتال.

من بركات إلى سلامة

من بركات إلى سلامة
قال الراوى…
بعد أن تغلب بركات على زرق وتمكن من أسره، وغلبة المفاجأة على أمره قال" بنو هلال":.
- كنا نظن أن رزق أفرس بنى هلال، ولكن بركات تغلب عليه.. وبانت له علامة فليكن أسمه من الآن بين الرجال .. " سلامة "!.
قال الراوى..
وهكذا أصبح " بركات " .. " سلامة " !!.
فمتى يصبح من " بنى هلال " ومتى يصير أبو زيد "؟ متى يصير الهلالي ؟!.
ثم أشد يقول:
هذا ستكشفه الليالي..
فغداً يصير هو الهلالي
بركات على الأبطال كان..
أبو زيد يزيد على الرجال…
***
قال الراوى..
أما ما كان من أمر الأمير رزق فقد حمله ولده أمامه على الحصان أسيراً..
ومضى به كالبرق حتى صار أمام خيمة أمه فأنزله.. ودفعه إلى الأمام . وحين شاهدته امه يدفع والده نهرته قائلة:
- عامل أباك باحترام يا ولد..
وأسكتته حين حاول الكلام فسكت فى كمد . وهنا جثا رزق على ركبتيه أمام خضرة وقال:
- سامحينى يا ابنة " الشريف" .. ظلمتك وظلمت ولدى.. بل ظلمت نفسى أكثر ..
بكت خضرة ومدت يدها إليه.. لترفعه من كبوته وافقاً على قدميه..
ونظرت بقوة فى عينيه.. وقالت:
- الظلم يا رزق ساعة .. والحق والصدق أقوى إلى يوم الساعة..
وهنا كبى زرق وحاول أن يحتضن بركان لكنه أمتنع عليه.. ودفعه بعيداً بذراعه.
قالت خضرة:
- رفقاً بأبيك يا بركات.. واستجب لنداء الدم فى عروقك..
ساعتها أخفى بركات ضعفه بغضب شديد. مخفيا بصعوبة، الدموع التى تساقط من عينيه.. وجذب رزق بقسوة ودفعه أمامه. وهو يصيح:
- ليس هذا أبى.. فأنا لم أكن له ابناً فى يوم من الأيام.. أبى هو المالك الزحلان.. الذى لم أرمنه يوماً أى فعل قبيح..
وقفت خضرة تراقبه فى صمت وهو يدفع أمامه بأبيه الأسيرة … نحو خيمة أبيه الراقد جريحاً جرح الموت فوق السرير!!.

إن غداً لناظره قريب

إن غداً لناظره قريب !
وقف الأمير مقيداً أما سرير الملك الجريح الذى كان يصارع الموت فى جلد وصبر .. وتكلم بركات مخفياً حزنه فى احترام:
- أبى الحبيب… جئت إليك بمن تسبب فى الجرح القاتل… كى تقتص منه وليلقى جزاءه على فلته الغادرة!
ابتسم الملك الزحلان ابتسامة ضعيفة.. ورفع رأسه بصعوبة ونظراً إلى بركات وهو يهز رأسه ملاحظاً الشبه الغريب بين الأب وأبنه الحبيب.. رغم اختلاف لون البشرة وقال:.
- وأنه والدك يابركات.. لقد سامحته من أجل خاطرك.. فسامحه يا ولدى.. رزق أمير شجاع … فك قيوده يافتى.. لا يصح أن يقف مقيداً هيا.. واذهب واحضر حلتى الملوكية الموشاة بالذاهب.. ذات الأزرار العشرة.. لأخلعها علية تكريماً وترحيباً به .. هيا يا ولدي .. واختر من الخيل أكرمها…. ودعه حراً يذهب حيث يشاء… وكما يريد .. ولا تعامله كالعبيد .. فهو ذو بأس شديد .. آه لقد آلمتنى كثيراً يا رزق ولكننى أغفرلك .. ولنبدأ من جديد..
نظر بركات غير مصدق.. ووقف فى حيرة وتردد، كأنه لا يفهم قول الملك الزحلان ولا يعرف ماذا يريد .. لكن نظرة الملك كانت قاطعة .. وأشار إليه إلا ينطلق بكلمة أو يزيد ففك قيود والده.. الذى أسرع نحو سرير الزحلان وانحنى عليه مقبلاً جبينه ويديه!!.. وجاءت خضرة فى اللحظة التى دخل فيها بركات بحلة الزحلان الملوكية ذات الأزرار الشعرية اللؤلؤية.. ليخلعها على الأمير رزق هدية وعطية .. الملك الزحلان وقال:
- الآن اجتمع شمل أسرتك يا رزق ، وها هو ولدك يعود إليك بعد كل هذه السنوات بطلان بين الأبطال وفارساً تخشاه الفرسان فى كل مكان…
لكن بركات اندفع نحو الملك الزحلان صائحاً وقد تملكه الغضب:لا .. يا أبى.. ليس لى أب سواك يا ملكي والدى وولي نعمتى.. لن اترك هذا البيت مهما حدث.. فأنى أنتمي إليه … لأمي الحق أن تسامح زوجها لأنه زوجها، ولها أن عود إليه لأنها إن شاءت تنتمي إليه… أما أنا .. فأنا أنتمي إلى هنا .. فى هذا البيت تربيت .. وها هما أخوى.. نعيم ومنعهم .. أنتم طفولتى وصباى.. أنا أبن الملك الزحلان، مهما كان ، إن الدم وحده

آخـر حـدود الكــرم

آخـر حـدود الكــرم
- يا للكارثة…
كانت هذه صيحة حسن بن سرحان بعد أن عبر هو وأصحابه متنكرين مضارب البعيد ورعاة الإبل.. وواجهوا الأرض التى يبست حشائشها لسنين مضت .. لم يعلق أى واحد منه.. فقد كان كل منهم يدرك أبعاد المصيبة التى حلت بوادي العباس منذ سنوات فحولته من جنة فيحاء.. نضرة الأشجار سامقة النخل وارفة الظلال.. إلى أرض خراب جفت ينابيعها ويبست أشجارها .. وصارت نخلاتها أعجازاً خاوية.
كانت فكرة الرحيل تلح عليهم جميعاً.
وكان الجميع يقاوم الاقتناع بها.. دون أن يجد سبباً لذلك بعد أن عم اليأس ومات الأمل فى تغيير الوضع، أو سقوط المطر بما يكفي لعودة الحياة إلى الأرض اليابسة..
***
كان مجلس الأمير حسن بن سرحان قد وصل إلى القرار الأخير بالرحيل عندما دخل عليهم عديد من شيوخ القبائل ورؤساء البطون، وقد انعقد عزمهم جميعاً على الرحيل إلى حيث ينقذون ما بقى من حياة وأطفال … وسيطر الموقف البائسة على الجميع، مع انهم لم يكونوا قد وصلوا إلى تحديد المكان الذى إليه يقصدون.
صرف الأمير حسن الشيوخ والرجال وإعداد أياهم تقرير الأمر فى الصباح..
ولم يبق عنده سوى الأمير أبو زيد والأمير دياب بن غانم، والقاضى بدير بن غانم.. فالتفت إليهم وقال:
- يعز على مثلكم جميعاً أن نغادر هذه الأرض ولكن للضرورة أحكام .. وعلى الحكام أن يضعوا الرعية نصيب أعينهم وإلا ما استحقوا ما هم فيه من مكان فهي أمانة وأى أمانة.
قال أبو زيد:
- صدقت يا ابن سرحان ولكن لا يجب أن نخاطر أو نغادر، دون أن نعرف إلى أين المسير، وكيف يكون المصير.. وإلا لكنا كمن يسوق أهله للانتحار والبوار..
قال حسن:
- هذا ما اجتمعنا من أجله.. ولكنى أريد أن يأتى معي فأهلاً.. لقد قررت التنكر فى ثياب شعراء غرباء لأطوف بمضارب بنى هلال لأعرف أحوالهم بنفسى .. حتى لا يكون القرار نابعاً من يأسى وعجزى.. وإنما استجابة لرغبة الجميع..
استحسن الثلاثة رأيه وأيدوه… وفعلوا مثله فتنكروا لساعتهم فى ثياب الشعراء وخرجوا تحت سرت الظلام يطوفون بالخيام.. ويرقبون الناس ويلتمسون أحوالهم فى الصحو والمنام..
وها قد مضت عليهم ثلاثة أيام وثلاثة ليال… شاهدوا خلالها من مظاهر الفقر والحاجة ما لا يصدقه عقل..
واستمعوا لحديث الجوعى والصرعي.. والعطاش.. ولمسوا بأيديهم ما آل إليه الحال… تلك التى دفعت الأمير حسن .. أن يصرخ فى ضيق بعد أن خرجوا من مضارب رعاة الغنم والجمال.
- يا للكارثة..
قال الراوى:
سار الأربعة الأمراء المتنكرين فى ثياب الشعراء الغرباء.. دون أن ينطق أيهم بكلمة أو حرف. وقد عصر قلوبهم – وهم الفرسان الشجعان –أبشع أنواع الخوف.. الخوف من المستقبل والخوف على الأطفال.. لقد ذبح الناس كل ما يمكن الاستغناء عنه من الغنم والجمال. وباع معظم الناس كل ما يمكن بيعه لقاء مال.. ولما طال المسير فى صمت .. وطال عليهم الوقت … وكل منهم يتشاغل عن الآخرين بحزنه ويخفي عنهم همه وشجنه.
لاحت من بعيد نادر خافته.. لكنها كانت كافية لتكون لأبصارهم لافتة .. فوجد كل منهم فيها حجة ليبدأ الحديث فقالوا كلهم فى وقت واحد.
- هيا لنعرف أحوال أصحاب هذه النار… ولنعود قبل أن يدهمنا لنار…
صلوا على النبى المختار.. الذى اخضرت تحت قدمه الأرض البوار.. كانت تلك مضارب الأمير مفرج بن نصير.. الذى كان جالساً أمام خيمته يشكو للسماء مثلهم شديد حاجته وقلة حيلته.. فقد ذهبت المجامعة بكل ما لديه من أبل، إلا ما يكفيهم للرحيل.. ولعدة أيام مضت لم يعد لديهم طحين ولا عجين.
أنه لم يعد يطلق سماع آهات الشكوى والأنين… خرج يستروح نسيم الليل ويفضى بشكواه.. للإله الرحيم.. وليخفي عن أهل بيته ما يراودون من حزن يجعل الدموع تطفر من عينة.. وهو الفارس الذى كانت مضاربة مقصد المحرومين والمحتاجين.
ارتعشت شفاه عندما لاح له خيال الراكبين الأربعة يقتربون فى الظلام .. وقال:
- اللهم إجعله خير.. ولا تفضحنا أمام الغرباء.
ولما تأكد أنهم ليسوا من أهل الحي ازداد اضطرابه.. وعذابه.. وكادت عينة تذرفان الدموع.. عندما حيوه بالسلام .. وقالوا:
- أيها السيد الكريم.. هل لك أن تقبلنا ضيوفاً الليلة واحدة.. فقد طالت بنا الطريق.. وأجهدنا السفر…
قفز الأمير مفرج وهو يفعل المستحيل ليداري اضطرابه، مرحباً .. هاشاً .. وهو يدعو الله ألا يلاحظوا حالة … سوء أحواله..
- يا أهلا بكم وسهلاً أيها الضيوف..نزلتم أهلا وحللتم سهلا.. هذه داركم ولكم الفضل والمعروف..
- ونزال الأمراء المتنكرين فى ثياب الشعراء والغرباء عن رواحهم.. ودخلوا الخيمة حتى دعاهم للجلوس وهو يدارى اضطرابه.. ويسرع إلى زوجته وهو يدعو الله ألا يلاحظ الضيوف ما به..
وفوجئت زوجته بهى التى كانت من أجمل نساء الحي بزوجها يطالب منها أن تجهز عشاء لأربعة.. وهو يعرف تماماً أنهم منذ يومين لم يذوقوا شيئاَ من الطعام.. وأنهم ذبحوا وأكلوا كل ما لديهم من أنعام..
فصاح بها وقد نسى حذره.
- اذهبى على الفور إلى أبيك شيبان واحضرى ما تجدينه لديهم من طعام.. هيا فقد قصدنا هؤلاء دون العربان.. وجاءونا من أبعد مكان.. هيا … هيا..
ودفعها بلهفة إلى الذهاب.. وعاد ليرحب بضيوفه الذين لم يخف عليهم ما هو عليه من اضطراب .. بعد أن سمعوا سؤال زوجته .. وسمعوا ما ردد به من جواب.
لكنهم لم يظهروا شيئاً .. ودخلوا يضربون معه فى دروب الأحاديث والحكايات ليخففوا عنه ما به من عذاب..
ثم رأوه، وهو يقوم فى لهفة ليجيب نداء زوجته، التى عادت من عند أبيها.. ولم تستطيع رغم ما حاولته من همس.. إن تخفي ما عادت به من يأس .. لكنهم حبسوا أنفاسهم عندما سمعوه يحاول أن يكتم آهات ألمه.. وهو يستمع إليها تطلب منه أن يخرج فى الحال.. ليبيع ابنته لأى من يريد أن يشترى جارية حسناء .. لإطعام ضيوفه .. فليس لديهم شىء آخر .. وأنها سوف تجهزها له فى ثوان..
لكن الفتاة وكان أسمها: " الثريا " .. وكانت تستمع لما يجرى فى ألم وحزن منذ وصل الضيوف .. ورأت ما هو عليه حال أبيها وأمها من اضطراب وكرب.. وتصورت مدى فضيحتهم بين العرب.. لأنهم لم يستطيعوا أن يضيفوا أربعة شعراء غرباء نزلوا عليهم ذات ليلة .. فقالت..
- أنا جاهزة يا أبى .. هيا بنا..
****
لم يعد الأمير مفرج إلى ضيوف .. بل انطلق على الفور مصطحباً ابنته ليدور بها على شيوخ القبائل .. وأهل الفضل . وهو يدلل عليها .. وينادي:
- من يشترى بنتى الثريا بعشاء أربعة ضيوف..
وكان أبو زيد قد أسرع فى خفة بتبعة خفية.. ليرى ما الذى ستكون عليه نهاية هذا الحادث العجيب والأمر الغريب. وكانت السيدة بهى زوجة الأمير مفرج.. تحدث ضيوفها وتسامرهم من وراء ستار وتهون عليهم الانتظار متعللة إليهم أن أمراً عاجلاً قد استدعي أن يخرج الأمير لأمر عاجل وسيعود بمجرد أن تنتهي هى من إعداد الطعام..
وفجأة دخل أبو زيد وهو يلهث وهمس فى أذن الأمير حسن بشىء جعله يتسلل بسرعة وخفة خارجاً دون أن ينبث بكلمة حتى لا يلفت أنظار صاحبه الدار.. وأسكت أبو زيد رفيقه الذين دهشا لما يحدث.. وهم يرون الأمير حسن يمتطي حصانه ويسابق الريح ويختفي وسط ظلام الليل الدامس… همس لهما أبو زيد بإجابة سؤالهما قائلا:
- أن الأمير مفرج سيتوجه إلى منازل الأمير حسن ليبيعه الثريا… بعد أن يئس من بيعها لغيره.. الجميع كانوا مذهولين لجمالها وحسنها.. ولكن الجميع يقولون … وإذا اشتريناها فماذا نطعمها ونسقيها؟..
أخذ القاضى بدير يبسمل ويحوقل .. وهو يقول:
- لا حول ولا وقوة إلا بالله… اللعنة عادت تلاحقنى بنى هلال… هذا ما كتب عليها وما قدر .. لا حول ولا قوة إلا بالله… مكتوب أن نغترب حتى فى ديارنا.. وأنا تحلق بنا اللعنة.. الأرض شربت من الدم ما جعلها وتقسو وتتحجر .. ماتت القلوب فمات الزرع الأخضر.
وبينهما هم فى الحديث.. إذ دخل عليهم الأمير حسن وهو يلهث فجلس يلتقط أنفاسه والكل يحاول أن يعرف ما جرى.. وهو يهدئ من لفتهم بالإشارة حتى لا يسمع أهل الدار ما سيقول.. وكانت السيدة بهي تروح عنهم بالحديث حتى لا يحسون بغياب الأمير مفرج ولا بتأخر العشاء. ولما تركتها لتستقبل زوجها الذى عاد فرحاً مجبور الخاطر على ما يبدو هذه المرة .. فانشغلت به عنهم.
حكم لهم الأمير حسن ما جرى منذ خروجه على عجل.. وكيف حمد الله أنه وصل قبول وصول الأمير مفرج.. فبدل ثيابه قبيل دخوله عليه بلحظات.. وكيف بكى عندما رآه يدلل على ابنته الجميلة الثريا.. ويرجوه أن يشتريها لقاء عشاء أربعة شعراء..
وحكي لهم كيف طيب خاطره رده مكرماً مع ابنته، بعد أن أمر له ببعض الدقيق والسمن من بيت المال.. وكيف أسرع ليستبدل ثيابه مرة أخرى.. ويلهب ظهر فرسه حتى يصل قبل عودته..
وأخذ الأمراء ( الشعراء) الأربعة يتبادلون حديث الدهشة والعجب حول هذه القلوب التى من الذهب.. وهم بتابعون ما صار إليه الحالي. إذا انتقلت من الصمت والاضطراب المثير للألم إلى بهجة وفرحة.. وعمت المكان حركة مليئة بالحيوية إذا قامتا.
بهي والثريا .. فجنا وخبزا واشعلا النار، وفاحت ريحه الخبير تبشر بتحقيق الأمل..
ودخل الأمير مفرج على ضيوفه هاشا باشا يضحك مرحبا.. فقد سترها الله معه، ولم يفضحه، وسيتعشى الشعراء الغرباء.. ولن يقولوا أنهم قصدوا ذات ليلة مفرج بن نصير.. وتاتوا من غير عشاء..
***
لم يجد الأمراء المتخلفين فى ثياب الشعراء شيئاً يقولون أثناء طريق العودة.. فقد كان الأمر أكبر من أكبر من أن تعبر عنه الكلمات .. لكن الأمير حسن التفت إلى أبو زيد وقال:
- يا سلامة .. لقد فاجئتنى حين طلبت أن تأخذ معك أولادى الثلاثة " يحيى " و " مرعي " و " يونس " لكشف الأرض والطريق وريادته.. كنت أعرف أنك تضع العقدة فى المنشار.. وكنت سأرفض … ولكنى الآن خجل من نفسى .. فها هو الرجل كان سيبيع ابنته لقاء إطعامنا لليلة واحدة.. فكيف أبخل بأبنائى فى سبيل إطعام الهلالية..!
مغامس وشاه الريم
بعد أن غادر أبو زيد، وفى صحبته يحيي ومرعي ويونس، بلاد الملك الدبيسى الذى أكرمهم غاية الإكرام.. واستضافهم لمدة عشرة أيام .. باعتبارهم من شعراء العرب الذين يقصدون الملوك والسلاطين لمدحهم والحصول على عطاياهم ورضاهم.. بينما كان أبو زيد خلال الأيام العشرة يدرس الأحوال .. ويرصد حركة الرجال والجمال والأموال.. وكان يدور فى الأسواق والحوارى.. ويسأل العبيد والجوارى.. عن طريق التجارة والبضائع.. ويشاهد محلات الحرف والصنائع.. فعرف أحوال البلاد وما عن الدبيسى من عسكر وأجناد، وسجل فى علقه ومراكزها ومدخل المدينة ومخارجها.. ويحفظ كل ذلك فى ذاكرته.. حتى يحين وقته.. ثم غادر ومعه الفتيان الثلاثة مرعي ويحيي ويونس .. قاصدين بلاد الغرب..
ومضى الأربعة يسابقون الطير الطائر… ويقطعون البرارى والآكام مدة تسعة أيام .. بالكمال والتمام .. حتى وصلوا إلى مشارف وادي " العميق "… فسمعوا دق طبول وأصوات زمور.. وشاهدوا من آخر الطريق… أعلاماً وزينيات.. تدل على الفرح والسرور..
فقال أبو زيد:
- بشراكم يا فتيان .. كأنهم يقيمون عرساً لاستقبالنا والترحيب بنا.. هيا بنا نقصدهم .. ونقضى الليلة عندهم .. ونشاركهم ونهنئهم بأفراحهم.
***
قال الراوى…
فى الحقيقة أن الفرح لم يكن فرحاً حقيقياً .. إنما كان اغتصاباً .. ولم تكن العروس العتى ستزق فرحانة سعيدة وإنما كانت تعانى قهراً وعذباً.
" والحكاية تقول .. صلوا على طه الرسول..
كان هناك شقيقان أميران، من أكابر الفرسان يحكمان تلك البلاد بالعدل والقسطاس.. فأحبهم الناس إذ جعلوا الحب والعدل للحكم أساس .. كان الأول الأمير عامر وأخوه كان أسمه أبو الوجود .. وكان العامر ولد فارس وحيد جميل الصورة طيب السيرة ذو بأس شديد. وكان لأبى الوجود فتاة ذات حسن فتان فصيحة اللسان معدلة القوام كغصن بان.. تتقن الغناء والضرب على العود..
وقد نشأ مغامس بن عامر وعاش طفولته مع شاة الريم… وشهدت أرض تلك البلاد وأشجارها وأنهارها وسماها وطيورها قصة الحب الجميلة التى باركها الجميع حتى الشتا وأزهار الربيع. وكان أن اتفق الأخوان على تحديد كل شىء للزواج حسب ما قلت الأبراج .. عند ظهور هلال شوال بعد 5 سنوات بالتمام والكمال .. لكن عمر السعادة قصير.. فى ذلك الزمن العسير .. فقد كان لههما عدو من ملوك العربان.. أسمه " نبهان" .. ما أن بلغه هذا الكلام.. حتى أخذ العدة لينقض على البلاد ويجهز لذلك الجيوش والأجناد.. وفاجأهم ذات يوم .. فاقتحم الحدود .. وتصدى له عامر أبو الوجود..
وجرت بين الطرفين معارك يشيب لهولها الأطفال راح فيها عدد لا يحصى من الشجعان والأبطال.. وقتل فيها أبو الجود.. وجرح الأمير عامر.. ولو لا أن أسرع إليه بعض جنده لأخذ أسيراً فى القيود.
وكان للأمير عامر عبد عملاق أسمه " سعيد " .. وكان متكلفاً برعي الجمال فى الوديان والتلال .. وكان مصارعاً ولاعباً بالرمح والسيف .. وكانوا يدعونه ليستعرض قوته كلما زارهم ضيف.. ولما رأى سعيد تلك الحال.. وما أسفر عنه القتال.. امتطي ظهر الحصان وهجم على نبهان.. فتبعة من بقى الفرسان. فانقلبت الكفة خاصة عندما طلب نبهان للنزال .. وصدمة صدمة الجبال للجبال.. وتمكن من قتله بعد تعب ونضال..
وما هى إلا ساعة من الزمان.. حتى تشتت جيش نبهان وأصبح منها من فرسان وجنود .. وهم يحملون ما غنموه من غنائم وأموال إلى حيث كان عامر يرقد فى أسوأ حال..
وقابل الناس سعيد بالتهليل والزغاريد. فقد كانوا كمن خلقوا من جديد بفضل البطل الصنديد. الذى سكره عامر على بطولته ..وحرر رقبته .. وقربه إليه وقد عزت روحة عليه..
وكان الجرح الذى أصاب الأمير عامر جرحاً لا شفاء منه ولا نجاة.. وأحسن أنه على وشك الوفاة.. فجمع الديون من الأمراء والأعيان والقواد والفرسان.. وأعلنهم أنه لم يجد خيراً من سعيد البطل .. ليضع فيه ما بقى من أمل … وأنه سيقيمه مكانه ومكان أخيه.. حتى يكبر أبنه ويأتى موعد زفافه إلى بنت عمه.. فيزوجه منها ويسلمه الحكم … واخضر كتاب الله والفقهاء والعلمان والوجهان جعلهم يقسمون مع سعيد ما قال .. فأقسموا جميعاً على فعل بالتمام وبالكمال..
والله ينتقم من خائن العهد شرك انتقام..
وما أن تم ذلك حتى غفا عامر غفوته الأخيرة ونام .. ذلك النوم الأخير الذى لا يعرف الأحلام.
ومرت الأيام..
صلوا على خير الأنام.. رسول المحبة والسلام…
لما جلس العبد سعيد على كرسي الأمير عامر… أطاعه قواد الجيوش والعساكر.. ومشى فى ركابه الأكابر والأصاغر.. وكلما رأى الكبار يطأطئون رؤوسهم أمامه… تجبر على الصغار وأحكم فى رقابهم لجامه .. شيئاً فشيئاً داخله الطمع والعناد.. فقرر أن يصبح الأمير على البلاد .. وجمع الأعيان والعرسان وقال لهم على رؤوس الأشهاد:
- أعلموا يا أيها السادة… إننى أنقذت هذه البلاد من نبهان..ورفعت شأنها بين الأوطان .. ولذا فقد قررت أن يكون لك واحد فى المكان الذى يستحقه والمنصب الذى يستطيع القيام بحقه .. ولذا أعلن نفسى ملكاً على هذه البلد.. التى هى أكبر من أن يحكها غر أو ولد.
وفهم الحاضرون ما يعنيه ذلك.. وخافوا أن يوردهم اعتراضهم المهالك. وقالوا.
- وماذا يفهم الغلمان والصبيان من أمور المالك..
فى تلك اللحظة دخل مغامس فلم يعره أحد منهم أى اهتمام … حتى أنهم لم يردوا عليه السلام.. فخرج من فوره عائداّ إلى أمه .. فأخذت تسرى عنه.. وإلى صدرها تضمه..
وبينما هما فى هذا الغم والنكد .. إذ جاءهم من عند سعيد من يطالب منهما مغادرة البلاد.
وقال اللأم المكلومة:
- لقد أرسل لكما سيدى سعيد .. هذه الناقة الجريانه.. والشاه العيانة .. وهذه الخيمة القديمة.. لتغادر على الفور وتخرجا من المدينة..
فبكت أم مغمس من هذا الفعل الأثيم .. ومنعت ابنها من أن يذهب للانتقام لأنه وحيد .. ولا يستطيع مواجهة سعيد .. وخرجت به مع القليل الذى بقى لهما .. وخرجا .. من ساعتهما حتى وصلوا إلى واد عميق بقرب الطريق فأقمت خيمتها الممزقة وأحاطتها كي تسد مزوقها وخروقها بأغصان الشجر والنخيل وفرشتها بالقش والخجيل..
هذا ما كان من أمر مغامس وأمه .. الحزبية..
أما كان من أمر سعيد الملك الجديد فإنه طغى وبغى وازداد غيه وظلمه.. حتى أنه طمع أن يوطد حكمة.. بالزواج من شاة الريم خطيبة مغامس وابنة أبى الجود.. فأرسل إليها من أحضرها .. لتزف إليه على الفور غصباً .. وأمر بإقامة الإفراج والليالي الملاح .. فدقت الطبول وعزفت الربابات والنايات.. وعلقت الزينات ورفرفت الرايات..
وهذه بالذات ما لفت نظرا أبو زيد والفتيان عندما سمعوه ورأوه من بعيد .. كان زفاف شاه الريم اليتيمة المغلوبة على أمرها إلى سعيد الذى اغتصب الحكم من خطيبها وحبيبيها مغامس وألقى فى الظلام الدامس..
***
كانت أصوات الطبل والزمر .. تصل إلى مغامس فتدخل أذنيه كالجمر .. فأخذته أمه فى حضنها، وأخذ تخفف عنه حزنه وهى تداري آهات حزنها وتقول له:
- أن الله الكريم لا يمكن أن يرضى هذا المصير لشاه الريم.. فاصبر يا ولدي.
وأخذت تصلي وتدعوا الله أن يرضى هذا المصير لشاه الريم .. فاصبر يا ولدى..
وأخذت تصلى وتدعوا الله أن يلهمه الصبر.. فله من قبل وبعد كل الأمر .. وجعل هو يغلب آهاته ويكتم زفراته… لكنها كانت تزيد عليه وتتغلب عليه فيطلقها فى الليل تثير الحزن والشجن .. فى قلب كل من يسمعها.
وفى تلك اللحظة كان أبو زيد ومعه الفتيان يمرون عن قرب.. فسمعوا نهنهات الأم ودعواتها ..وأحسوا بحرقة أحزان الفتى وآهاته..
وتبينوا من خلال نجواهما انهما فى مأزق كير
فقال أبوزيد للفتيان:
والله إن وراء هذا الذى نسمع أمر خطير…
فنادي على أهل الدار.. فخرج مغامس فى الحال ورحب بالأغراب أحسن ترحيب وأخفى عنهم ما كان يمزق صدره من نحيب..
وأسرع إلى ناقته فذبحها.. مع أنه ليس لديه غيرها .. وأعجب أبو زيد والأمراء المتنكرين ثياب الشعراء.. ما فعله هذا الشاب معهم… وكيف رغم ما به من حزن أكرمهم..
وبعد أن أكلوا وشربوا.. أخرجوا الرباب.. وفتحوا الكتاب.. وحلت الفرحة محل الأسى .. وتبادلوا الحديث والحكايات.. وعرف أبو زيد من مغامس وأمه سر ما هم فيه من شتات..
فقرر أن ينصرهم .. وأن يعيد الحق لأصحابه .. فامتلأ الكوخ الضحكات والنكات…
وتصادق فى تلك اللحظة أن سمع ضجة الكوخ أحد الرعاة من رجال سيعد كان يطارد دابة هربت منه .. فأسرع يبلغ سيده أن الكوخ الحزين الذى أقيم على آهات الأنين .. ملئ الفرح والبهجة … وأن مغامس لديه ضيوف شعراء ينشدون الشعر ويشاركون الطعام والشراب .. فأرسل سعيد وقد اشتد به الغضب.. جماعة من الجند تحضرهم إليه.. وقد أعمي الغضب عينيه..
***
قال الراوى..
كان سعيد متكئاً على ظهره وحوله رجال يأكلون ويشربون فى انتظار وصول العروس.. عندما أدخل الجند الأمراء المتنكرين فى ثياب الشعراء… فلاقاهم بوجه عبوس..
وحين ألقى أبو زيد عليه السلام.. لم يجبه الكلام.. ولم يظهر له الاحترام بل رفع رجليه وزغر فى عينيه وصاح فيه.
- كيف تكون من شعراء العرب. ومن أصحاب الفضل والأدب .. وتتركون زيادة الأمير .. وتذهبون لضيافة صبى حقير..
كتم ( أبو زيد) غيظه وابتسم.. وقد صمم على قتل سعيد وإيراده موارد الندم:
- طال عمرك وزاد مقامك قدرك.. ما جئتنا هنا إلا لمدح جناحك .. والتشرف بساحتك وأعتابك.
رد سعيد مقاطعاً.
- لا مرحباً بك فما أتعس زيارتك، وما أثل دمك.. ولا رحم الله أباك ولا أمك ..
تبسم أبو زيد وهو يقول فى نفسه..
" خان حينك ياسعيد وأنت الذى فعلت ذلك بنفسك "
لكنه رفع صوته وقال..
- لا تؤاخذنا يا عظيم الأدب .. وأشرف العرب.
فاغتاظ سعيد وأحسن أنه يعرض به .. فقال:
- ما هذا الكلام الغليظ الشديد يا أحط العبيد... والله لولا سواد لونك لقطعت رأسك وأجهزت أنفاسك. فأجلس حيث أنت فى مكانك واكنفا شرك لسانك.
تقدم منه مرعي وقال:
- لا تؤاخذه يا سيد الأشراف .. ولا تغضب منه إنه قبيح الوجه من الأجلاف .. فى تلك اللحظة انعكست صورة سعيد أمامه فى كأسه فعرف أنه يقصده بقوله فأمر السياف أن يقطع رأسه.
لكن يحيى أسرع يتشفع له:
- لا يأ أمير .. لا يهتم أمير بن أمير مثلك من نسل الأمراء بما يرتكبه حمقى مثلهم من الدهاما.. انهم أقرب إلى ما كانوا يرعونه من إبل وأغنام ولا يتقنون فنون الكلام..
فزاد بسعيد الغضب .. وقد أحسن انه يعرض به ويصفه بأنه قليل الأدب .. فصاح بالجلاد أن يقطع رؤوس الثلاث شعراء.. قصاصاً لما أظهروه من عداء..
وهنا نهض يونس.. واعترض طريق السياف.. وقال:
- أعتز لك أمام الحاضرين والسادة المقدمين.. أنهم من أصل وضيع ولدول وعاشوا فى الظلام.. ولذا لا يعرفون معنى الكلام .. أنا الذى سأمدحك بما يليق بك من شعر ونظام .. انهم رعاة أغنام فأهدأ وقر نفساً .. فأنت أدرى بأصلهم وبأصلك يا سيد أهلك.
وهنا لم يطلق سيعد صبراً .. فجرد سيفه وقام بنفسه ليقطع رؤوس الأربعة .. وما أن رفع السيف حتى كان أبو زيد قد ركعه.. ووضع السيف بين عينيه.. وأمره أن يأمر رجاله بدعوة مغامس وأمه ليشهدوا مصرعه.
وليس هناك من مجال لكشف ما جرى من أحوال .. فقد راح سعيد إلى حيث ألقت .. وجلس مغامس على عرض أبيه وتزوج من عروسه شاه الريم.
وربك ناصر المظاليم، وهو كل ظالم أثيم.

هروب من الأسر

هروب من الأسر
قال الراوى..
طالت الحرب بين بنى هلال والمالك الدبيسى لأيام طوال .. وكان المالك الدبيسى قد طالبهم بدفع كثير من المال… لقاء نزولهم بأرضه فى طريقهم إلى المغرب وإلا طاردهم نطردهم إلى الصحراء والجبال.. وعندما وصل إليهم خطابه فى أوائل أيام نزولهم..
نصح أبو زيد الأمير حسن أن يرسل إلى الدبيسى طالباً إمهالهم عشرة أيام وذلك ليسكب الوقت حتى يستريح فرسان بنى هلال ويكونوا مستعدين للقتال.. وفى نفس الوقت تنكر أبوزيد فى ثياب بائع جوال.. وتسلل إلى ضارب الدبيسى ليتفقد الأحوال.
وكان أبو زيد قد جاء إلى هذه البلاد من قبل مع مرعي ويحيى ويونس .. عندما كانوا يكشفون الطريق إلى " تونس " لذا كان من السهل عليه أن يتجول فى المدينة وما حولها.. ليعرف أحوال الدفاع عنها.. وأين جيوب الدبيسى وأماكن نزولها وعدد فرسانها ورجالها..
وما أن انقضت الأيام العشرة حتى أرسل الدبيسى يذكرهم ويتعجل إذعانهم فردوا رسوله فى غلطة معلنين عصيانهم.
وقال الدبيسى:
- هذا من تدبير الماكر أبو زيد.
الذى لابد من أسره بنفسى ليموت فى سلاسل الحديد ، ذلك الغادر الذى جاءنى يوماً فى صورة شاعر ليكشف أسراى ويعود بأهله ليخرجوا دياري.. وكان الغيط يدفع الدبيسى كل يوم للخروج للقتال .. داعياً أبو زيد كي يتقدم للنزال .. صارخاً فى بنى هلال:.
- أين أبطالكم يا بنى هلال.. هل تهربون من القتال..
وما إن أتم كلامه حتى خرج إليه الأمير دياب وحط كأنه السيل قدامه .. وجرت بينهما وقائع وأهوال لم يرها أحد فى قتال أو نزال.. جعلت بنى هلال يهتفون باسم دياب.. ويلقبونه بالمهاب..
فتكدر السلطان حسن بن سرحان. لأنه لم يكن يريد أن تعلوبين بنى هلال لدياب مكانه تطاوله مكانته.. خوفاً من طموحه وقدرته.. وذلك تلقاه عند رجوعه من حلبة الصدام وقابله بأغرار وإكرام … وشكره على ما فعل … وحدثه فى أدب وخجل.
- الله درك يا دياب فى القتال، لكن لا تخرج فى الغد للنزال.. فأتت تقاتل منذ أيام .. والدبيسى مرتاح وأخشى أن يظهر عليك ياهمام..
لكن دياب قال:
- يا مولاى لا تمنعنى فانا فداك .. ولا أخشى الموت فى القتال فداك.. فأحرج السلطان حسن وقال وهو يخفي مشاعره:
أنا ما تفوهت بهذا الكلام إلا لأنك مرهق وتعبان لكن مادام المر كذلك فأخرج غداً للقياه.. لعلك تكفينا شره وأذاه..
والحقيقة أن الدبيسى كان يطلب لنفسه نزال حسين أو أبوزيد ..وكان رجال الهلالية يمنعون حسين من الخروج إليه إشفاقا وخوفاً عليه. أما أبوزيد فقد كان مشغولاً بأعداد خطة لاقتام المدينة.. وتجهيز أشياء من النفط لهدم أسوارها مستخدما بذلك مهاراته والعلوم لتى لا يعرفه غيره أسرارها. .. بينما كان دياب.
يستعد للخروج للقاء الدبيسى فى الميدان.. دخلت عليه ابنته وطفا دامعة العنين محرقة الجفنان.. فقال لها:
- ما أصابك يا حبة الفؤاد.
- فصاحت باكية قائلة:
- هل تظننا من الجماد ؟ وهل خرجنا من البلاد كي يتيم أولاد، لقد رأيت حلماً أفرغنى .. لذا لن أتركك تودعنى…
ضحك دياب وقال:
- هل تخوفين دياب من منام .. يا وطفا، وأنت خايفه وحلمك مجرد أضغاث أحلام .. هيا يا ابنتى وانتظرينى عندما أعود منتصراً من الصدام.
وعاد دياب مجروحاً جرحاً بالغا.. بل وكاد أن يقع فى الأسر فقد تلقاه الدبيسى وهو فى أحسن حالاته… وصمد لكل ضرباتة.. حتى جاءته فرصة فوجه حربة لدياب أصابت فخذه وأدمته .. وعلى الأرض أوقعته .. فلما أراد أن يجهز عليه تصدى له رجال من بنى هلال.. حالوا بينه وبين أخذه أسيراً…
ولما طال أمر المعركة حول دياب الملقى على التراب وصل الخبر إلى أبو زيد .. فهب مسرعاً وامتطى فرسه وهجم بقوة على المغيرين من جند الدبيسى .. وهو يصيح وينادي..
- جاءكم أبو زيد ليث البوادي ومشتت الأعادي..
وما أن آه جند الدبيسى حتى فرغوا وتفرقوا.. ولحقوا بملكهم الذى كان قد عاد لمعسكره منتظرا إحضار دياب ميتاً وأحياناً ليأسره.
***
حزن أبو زيد جدا لما حدث لدياب .. وأخذ يؤنب نفسه على استهانته بقوة الدبيسى .. وتفضيله الانشغال بالكمياء دون القتال.. خاصة وأن الأخبار وصلت .. بان الدبيسى وعساكره وقد أسروا أكثر من عشرين فارساً من خيرة الأبطال ومنهم الأمير عرندس والرياشى ومفرج) والهدار، وانزعج الأمير حسن من هذه الأخبار..
فطلب أبو زيد على عجل لكي يبحث المر معه. ولما عقد المجلس وطال الجدال.. نصح أبو زيد بطلب النجدة .. والتجهيز لهجوم شامل وعام على العدو وإعطائه هو مهلة ثلاثة أيام.. يصدق أحد من الحاضرين أن ثلاثة أيام كافة لأنجاز هاتين المتهمين المستحلتين..
وهمس بعضهم .. لبعضهم.. يبدو أن أبو زيد لا يعرف ما يقول.. أو أنه يحاول الهرب من القتال المهول.. لكن الجميع كانوا يثقون فى أبى زيد ولا يعرفون عنه أنه كداب أو هراب .. ويكفي انه هو الذى أنقذ دياب..
***
وصل الدبيسى غاضباً إلى معسكره.. فأحضر الأسرى وصب جام غضبه عليهم .. وتوعدهم بالقتل والدمار، فلم تزدهم غضبته إلا إصراراً على إصرار .. فأمر بإرسالهم لى السجن الرهيب تحت المدينة.. حتى لا يعرف لهم أحد أثر جره..
وكان أبوزيد الذى وعد بإطلاق سراح الأسرى قد وصله فى اليوم التالي.. أن عشرة آخرين من بينهم الأمير زيدان الهلالي قد وقعوا فى الأسرهم الآخرين… حين جاء إليه أهلهم صارخين ضارعين .. فطيب خاطرهم ووعد قائلا:
- متى أخلفت لكم وعداً .. غداً على الأكثر سيكون الأسرى... فى أسرتهم..
ثم أنه قام .. ودخل إلى خيمته..
وجلسوا ينتظرون عودته … فلم يظهر لهم ولم يسمعوا خطواته فدخلوا يستطيعون الخبر..
فلم يعثروا له على أثر..
فبدأ اليأس يغزوا قلوبهم…
فأنبهم أبو القمصان على قله إيمانهم .. وطلب منهم العودة إلى بيوتهم..
اختفى أبو زيد من معسكر بنى هلال فجأة مما جعل القوم يضربون أخماساً فى أسداس .. وكل منهم يفسر اختفاءه على هواه..
***
فى نفس الليلة ظهر وسط ساحة السوق الرئيسية ومع أذان العشاء.. رجل فارسى يتحدث الفارسية والعربية بطلاقة… ويرتدي عباءة خضراء وعلى رأسه عمه سواء من الحرير مثل كل شيوخ الشيعة.. وكانت له لحية بيضاء تبعث على الرهبة .. وهو يوزع على الخلق بركات وعلى القراء حسناته.. ويدعو لهم .. وكأنه هو الذى يشحذ منهم..
وتصادفهم أن تعثر أحد البغال تحت ثقل حمل من الملح..وكاد صاحبه ييأس من حياته إذ تكوم الحمل من الأجولة على رقبته .. فتقدم الشيخ من البغل وأمسك بلجامه . وشده لأعلى مرة واحدة وهو يقول:
- قم بإذن الله…
فصرخ العامة أعجاباً بهذه المعجزة .. فاندفعوا يتبركون به .. وهو يدعولهم.. ويدعو الملك الدبيسى بالنصر بزن الله…
وعندما أذن للصلاة .. دخل إلى الجامعة القريب فقدمه الإمام على نفسه ودعاه أن يؤم الناس، فحاول الاعتذار ولكنه قبل أمام إصرار الجميع .. وقف خطيباً فيهم فأسال دمعهم.. وهو يعظم ويدعوهم لطاعة الله .. وطاعة ملكهم الذى يهدده العربان.
واصطف المصلون خلفه وهم يبكون لتجهده.. وتنخلع قلوبهم لشدة ورعة وهو يتلو عليهم آيات العذاب الشديد لعدم طاعتهم …
ثم جلس إلى أحد الأعمدة فلم يخرج أحد من الجامع .. بل تحوطوا حوله..فبدأ يعظهم ويحكي لهم سير الأولين .. والناس مذهولين مسحورين من قوة عباراته… وحلاوة صوته حين ينشد الشعر أو يقرأ القرآن.. وفجأة وصل بعض رجال الملك الدبيسى إلى الجامع.. وتقدموا منه فتفرق الجالسون عن طريقهم بل خاف البعض وانطلق خارجاً من الجامع.. وقد أثار ظهور رجال الملك فجأة رعبهم وساد صمت ووجوم .. ولكن الشيخ لم يكف عن الحديث وهو ينظر فى عيون القادمين مباشرة حتى اكتست ملامحهم رقة لا يعرفنها بتأثير عينة القاهرتين…
- ماذا تريدون ؟ ولماذا أزعجتهم تلاميذى؟ إذا كنتم تريدون الاستماع فأجلسوا .. كيف تدخلون إلى المسجد ومعكم السلاح ؟..
ارتج الأمر على الجند وقالوا:.
- سمعاً وطاعة .. ولكن أمهلونى حتى أنهى حديث إلى الناس.
ارتبك الحرس ولكنهم قالوا:
- لا نستطيع أن نذهب دونك فقد أمرنا أن نعود بك.. وقد سمع بكراماتك وأفعالك فى السوق، بمرد أن رجع من المعركة وهو يرفض أن يستريح قبل أن يراك .. اكتسى وجه الرجل بعض الحزن والحرج. ونظر إلى الناس كأنه فى حرج أن يطلب منهم الإذن .. لكن الناس سرعان ما فهموا موقفه فصاحوا فى وقت واحد.
- لا .. يا سيدنا أذهب إلى الملك.. وسنكون فى انتظارك حين تعود … وأسرع الجميع يفسحون له الطريق .. وظلوا خلفه حتى وصلوا إلى قرب مضارب الملك فمنعهم الحراسة وطلبوا منهم العودة… وأظهروا لهم بعض ما تعودوا عليه من الجنود ..ولكن دون أن يرى هو قسوتهم تلك .. ولكنه كان يعلم ما يجرى فالتفت فجأة وهو يظهر الغضب الشديد ونهر الجنود فارتعدوا..
وأشار الناس أن يعودوا فى هدوء، فعادوا دون كلمة وسط ذهول الجند وحرجهم..
***
قام الملك الدبيسى من مجلسه وما تزال عليه عدة الحرب.. إذ كانت قد بلغته مأثر الشيخ فى السوق .. وهش له فأراد ذراعية..
- يا مرحبا بك أيها الشيخ.. من أين أنت يا ابن الكرام؟
فرد عليه الشيخ:
- من بغداد يا سيدى .. وأنا أحد فقراء " سيدى عبد القادر " صاحب الفضائل والمآثر . وقد جئت إليكم حاملاً بشراه لكم بالنصر على هؤلاء الأعراب .. ففرح الدبيسى لبشرى الشيخ عبد القادر …. وقال:
- ونعم يا شيح .. ادع لنا أيها الدرويش أن يظهرونى على ذلك الغادر الماكر أبو زيد .. الذى خدعنى من قبل عندما جاء مع بعض الشعراء متنكراً ليكشف أسراره بلادى .. وها هو قد عاد مع بنى هلال ليحولوا بلادنا إلى إطلال..
أخذ الشيخ يتمتم بآيات وكلمات غامضة بالفارسية .. وهو يدور بمبخرته حول الملك.. وهو يهمس له بكلمات فارسية وأخرى سريانية.. حتى سرى الخدر فى جسم الملك وشعر كأنه يطير منتصراً على فرسه وأبو زيد مجندل تحتد قدميه..
- لا تخرج غدا للحرب يا مولاي.. بل بعد غدا استرح الآن فنجمك غير ظاهر عدا.. سأذهب إلى المدينة لأصلي بالناس فى جامع " سيدى عبد المقصود" وأدعو لك بالنصر .. والآن خذوه لينام ويستريح.. واتركونى وحدى الآن .. وأن غداً لناظره قريب…
***
لم يجرؤ أحد من الجنود أن يتبعه.. وما كان أن تأكد أن أحداً لا يراه.. حتى غاب فى دياجير الظلام.. وبعيداً عن عيون المتطفلين.. دلف إلى زقاق وفى خفه الفهد صعد سطحاً وقفز إلى آخر.. وتدل فى حارة صاعدة ثم نزل إلى شارع خال إلا من بعض جنود يتحركون فى انتباه.. كان يعرف المكان فقد كان هو السجن الرئيس الذى يحتفظ فيه الدبيسى بالأسرى … ظهر الشيخ فجأة أما الباب الرئيسى حيث كانت مجموعة من الحرس.. اندفع بعضهم نحوه ليمنعهم من التقدم ولكن ادهم عرفه.. فقال لهم:
- لا.. لا .. اتركوه انه شيخ البركة الذى كان في السوق اليوم.. وطلب الملك لقاءه..
- بارك الله فيك يا فتى. ولكن ماذا تفعلون هناك ولم أنتم بعيدون عن أرض المعركة.
قالوا له أنهم مكلفين بمهمة أشد من القتال ففى داخل السجن الذى يحرسونه أهم أبطال بنى هلال وهمس له أحدهم..
- لقد أضاف الملك إليهم خمسة آخرين من أهم رجال بنى هلال.. منهم سرور بن فايد.. ونعيم .. . الزحلان، ولابد أن هذا سوف يجعل الدائرة تدور على بنى هلاك .. خاصة ودياب جريح .. وأبو زيد هربان.
ضحك الجنود فى سعادة فجلس الشيخ وهو يضحك.
- اضحكتنى أيها الفتى … هذا بشارة سعدك.. وسوف أحدث الملك عنك .. ولكن لابد من الاحتفال.. فدعونا .. نبتعد عن الأنظار هنا.. حتى لا يظن أحد بناء السوء.
ضحك الجنود وأفسحوا مكانا فى حوش السجن والمجاور للباب وفرشوا المكان وجلسوا حوله يستمعون له .. يسحرهم بحديثه وترتيله وغنائه.. وكان أبو زيد قد وضع شمعة غريبة تضوى ضياء لم يروا مثله .. بعد أن سد أنفاسه سراً بقطعتين من الشمع الجاف..
وكانت تلك هى شمعة البنج التى قضى الأيام الماضية فى صنعها.. وما أن مضت ساعة فى الحديث والضحك والحراس منبهرين بسحر الحديث والكلام.. حتى نام كل واحد منم فى موضعه .. وهنا هب الشيخ صاحب الذقن المهولة.. وقفز فى خفة… الفهد .. وسار إلى حيث الأسرى .. بعد أن قضى على حارسين أو ثلاثة فى طريقة ثم أخرج من جرابه. حجر المغناطيس .. وحركة أمام الأقفال فتهاوت..
وفتح الباب.. ودخل إلى حيث كان فرسان بنى هلال.. فى القيود يقاسون الأهوال.. فطمأنهم ووزع عليهم أسلحة الحراس.. .وبعد أن قيدوهم وأخفوهم عن الأنظار .. دلهم عل الطرق الجانبية التى يعرفها جيداً .. حتى وصلوا إلى قرب باب المدينة فطلب منهم الانتظار حتى يفتح لهم..
وما أن رآه الحراس حتى تعرفوا عليه وأسرعوا يلتفون حوله للتبرك به.. ونيل رضاه وخالص دعاه.. ففرق عليهم تمراً مبروكاً من أرض " نجد" .. وما أن تناولوه حتى راحوا فى سبا عميق .. فقام وفتح الباب.. وأطلق صفيراً خاصاً.. فأسرع فرسان بنى هلال، وكانوا اكثر من سبعين من خيرة الرجال.. انطلقوا جميعاً وهو خلفهم نحو مضارب بنى هلال … التى كانت غارقة فى الظلام .. فاستيقظ الأهل فرحين لعودة الأبطال سالمين غانمين وأقبل الجميع على أبو زيد يهنئونه على ما فعله. ويعتذرون عن ظنونهم التى لم يستطعوا لها تفسيراً .. ولم يعرفوا لها أى سبب!… فضحك أو زيد وهو يقول دون غضب.
- قد يكون الهرب لسبب فيه العجب.
قال الراوى..
أما ما كان من أمر الملك الدبيسى الذى قام من نومه على أصوات الفرح والانتصار فى معسكر بنى هلال… فتملكه العجب، وكان الجميع خائفاً إن يعلنه بالسبب .. حتى تملك منه الغضب .. وأطاح براس الذى رفض أن يجيب .. فأسرع الجميع يقصون عليه الحادث الرهيب.. فصار النور فى عينة ظلاماً .. فهل هو أبوزيد يخدعه للمرة الثالثة.. وأحسن أنها الضربة القاضية .. وبالفعل.. كان الغد يوماً رهيباً.. إذا ما أن أصبح الصباح.. حتى أمر بحمل السلاح.. وكان أبوزيد قد نصحه بعدم الخروج للقتال ذلك اليوم .. لكنه لم يسمع الكلام.. فهل على أبو زيد من لوم أن من يدخل الحرب غاضباً.. لابد أن ينهزم أو يفر هارباً.
وهذا بالضبط ما كان..
صلوا على خير الأنام.

المارية تنزل النهر

المارية تنزل النهر
كانت " المارية " بنت القاضى " بدير " تحرقها الرغبة فى أن ترى " النهر" .. أى نهر .. كم سمعت من حكايات عن ذلك الشىء الرهيب.. الجميل.. الذاخر بالمياه العذبة.. لم تكن قد رأت نهراً فى حياتها.. ولكن ما كانت تسمعه من حكاية ملأ جسدها رغبة فى النزول إلى الماء.
وكانت تهزها التساؤلات حول إحساس مثلها حين يغمرها كل هذا القدر من الماء.. وهى التى عاشت كل هذا العمر يؤرقها العرب من فقدان ما ليدهم من ماء.
كانت صبية عندما جفت عيون الماء فى وادى العباس.. وفى نجد … تأتيها ذكرى آخر عين ماء جارية رأتها وكأنها طيف من حلم قديم. الماء أغلى من الذهب يحفظونه فى القرب والأوانى ويتعاملون معه بحرص شديد وهو فى النهر فيضان وموج لا يحد..
وكان جسدها التى تلسعه الرمال ويحرقه الجفاف.. حين تربطه ببعض ما توفره من نصيبها الضئيل من الماء يكاد يقبل بظن كفها حين تسمح عليه بقطرات من الماء.
كانت تحس جلدها يتفجر بنشوة رائعة وهو يمتص رحيق الماء القيل الذى تهدهده به.. فما بالك وهم يتحدثون عن بشر ينزلون النهر ويغمرهم الماء حتى رؤوسهم .. يالها من روعة..
كانت المارية جميلة، شارع ذكر جمالها بين الرجال .. لكنها كانت حزينة تتحدث عن حزنها النساء.. ولم تكن تتحدث عن رغبتها الدفينة التى هى سر حزنها إلى أحد .. إلا لجاريتها العجمية التى كانت تؤجج لديها تلك الرغبة فى الغوص فى الماء، بحديثها الدائم عن بلادها التى تجرى من تحتها الأنهار.
وكيف كانت تعلب هو وأخوتها وصاحباتها وهن صغيرات فى النهر عاريات يتراشقن بزخات الماء العذب حتى دهمها ودهمهن ذات يوم أولئك النخاسين، الذين باعوها فيما بعد للقاضى بدير. لتحرم إلى الأبد من تلك المتعة التى لا شبيه لها والتى لم تعرفها المارية أبدا..
همست الجارية للمارية ليلة عسكر بنو هلال بعد رحيلهم عن بلاد الدبيسى:
- نحن الآن بالقرب من الفرات ياالمارية . فأجحت فيها الرغبة الدفينة العارمة للنزول إلى النهر.. وأخذت تتحين الفرصة لتفعلها ولو كلفها ذلك حياتها.

قال الراوى…
كان الملك الدبيسى وزيرا أسمه "همام" .. وحين قتل الملك وأحسن أن الدائرة ستدور عليهم سعى لإقرار السلام.. فأخذ الأمير مزيد بن الدبيسى وأمه بدر التمام .. وانطق إلى حيث خيمة الأميرة حسن بن سرحان. وطلب منه العفو والأمان.
فأوقف بنو هلال هجماتهم .. وعاد الناس فى مملكة الدبيسى إلى بيتوتهم.. تولى الأمير مزيد حكم البلاد.. وزوجة الأمير حسن من ابنه عمته " زينة العباد " وأقيمت الأفراح والليالي الملاح.. إلى أن أحسن الأمير حسن أن كل كبير وصغير فى قومه قد استراح .. فأمر بالاستعداد للرحيل.. ليكملوا طريقهم الطويل..
ولما وصلوا إلى مشارف بلاد العجم وأطلقوا مواشيهم فى المراعي التى كانت كثيرة الأشجار.. وافرة الخيرات بديعة الأزهار.. فعاثت فيها كالجراد، وأفرغت الآمنين من الرعاة والفلاحين من أهل البلاد.. وصل الخبر إلى السبعة ملوك العظام الذين كانوا يحكمون بلاد الأعاجم فى تلك الأيام.. وهم: فرمند، وعلى شاه ، والصلصل، والمغل، والقمقام، ومنذ المنذر، والملك النعمان.. الذين اجتمعوا ليضعوا خططهم لصد هذا العدوان.
قال بعضهم:
- لنخرج إليهم قبل أن يستريحوا من السفر، ونبادرهم بالهجوم قبل أن يستفحل لهم الخطر .. النسبى حريمهم والعيال.. ونستولى على ما نهبوه من الدبيسى من المال…
وعز على الملك النعمان وكأن أصله من العرب .. حرب بنى هلال.. فقال.
إذا كان الأمر أمر جمال ومال .فلنطب من عشر الأموال جزية لبقاءهم فى أرضينا ، واستهلاكهم لمراعينا. فإن استجابوا كان هذا المطلوب .. وإذا لم يوافقوا على بأدرناهم بالقتال الغضوب!.
واستحسن الملك الخرمند هذا الكلام ودعي أصحاب الورق والأقلام، وكتب رسالة بهذا المعنى لأمير بنى هلال. وهى باختصار.. المالك أو القتال..
وكان الأمير حسن قد ذهب إلى " نجد " لبعض الأعمال .. فلما وصل الرسول حامل الرسالة إلى المضارب.. سأل عن الأمير حسن فقالوا له أنه غائب.. ودولة بعضهم إلى خيمة الأمير أبو زيد الذى ولاه الأمير حسن الأمر فى غيابه.. وحين هم بالذهاب اعترض طريقه الأمير دياب عند الباب .. وأخذ منه الرسالة.. وقرأها فى عجالة، فاشتد به الغضب .. وضرب الرسول بلا سبب..
وخرج أو يزد على الضجيج والزعيق. فلما عرف السبب اشتدت به الضيق… لأنه لم يكن يوافق على ما فعله دياب دون مشورته… ولكنه أمر بالاستعداد للقتال حتى لا يظهر أمام رسول العدو انقسام قبيلته .. فيفهم منها ضعف جبهته ..
وبعد أن انصرف الرسول عائداً بجواب رسالته.. أخذ أبو زيد يؤنب دياب على فعلته .. لأن الواجب كان يقتضى مشورته خاصة وأنهم فى حاجة إلى الراحة، وكان يجب أن تكون فرصتها متاحة.
لكن دياب سخر منه وقال:
- أصبحت تفضيل أمور الكيمياء على القتال…
وابتلع أبوزيد سخرية دياب على مضض وسكت.. لأن خلافهم لم يعد له معنى والحرب قد أعلنت والمعركة اشتعلت..
* * *
تسللت المارية ومعها جاريتها من المضارب.. بينما كان الجميع مشغولين بالمعركة الدائرة من بعيد .. إذ كان الجرحى يعودون لمحاولة مداواة جراحهم والتخفيف عنهم.
بينما كان كثيرون من الرجال والعبيد مشغولين بتجهيزات أدوات الحرب بدلاً من المفقودة، وكانت النساء والإماء مشغولات بإعداد الطعام.
انتهزت المارية هذا الهرج والمرج… وخرجت مع جاريتها.
وتسللت مستترتين بالشجيرات والتلال متجهتين إلي حيث النهر القريب الذي أكدت موقعه الجارية العجمية علي بعد خطوات..
-إنني أكاد أشم رائحته يا مولاتي..
وسرعان ما وصلنا إلي الضفة العالية..فصاحت الجارية في فرح وهي تجرى صاعدة إليها.. وتبعتها المارية بلا وعي..
وما أن صعدت الجارية أعلي الضفة حتى صاحت بالمارية..وهي تركع علي ركبتيها وتقبل الأرض في خشوع وتبكي.. مما أثار دهشة المارية.. ولكنها واصلت الصعود وراءها حتى صارت إلي جوارها.
وما أن رأت النهر حتى شهقت مندهشة وقد زاد انفعالها.. وتوتر جسدها حتى بكت.. وهي تلمح تلك النظرة الغريبة في عيون جاريتها الباكية.. وأحست أن شيئا ما يدور بخلدها.. ولكن انفعالها بمنظر المياه الجارية تغلب علي خوفها.. فنزلت مندفعة إلي حيث مجرى الماء.. وما أن تأكدت أن أحدا لا يراها حتى خلعت ملابسها.. فشع جسدها نورا أدهش الجارية نفسها.. وفي نزق وتهور وتهور لم تستطع الجارية أن تمنعها من أن تلقي بجسدها في أحضان النهر وهي تشق وتصرخ في فرح وتتقافز كطفلة نزقة تمور في قلبها نشوات بريئة لا حدود لها..
ولكن قدمها زلت فجأة فصرخت في هلع وانتابها شعور بالخوف لم تعرف له مثيلا.. وحين علت المياه ملأها رعب لم تعرفه من قبل فازداد صراخها.. ولكن الجارية أسرعت إليها وقفزت بملابسها وراءها تساعدها علي الوقوف علي قدميها.. وتعيد إليها هدوءها..
وما أن استعادت توازنها حتى هدأت نفسها وعادت إليها سعادتها الغامرة وإحساسها الممتع بنشوة جسدها المغمور بكل هذه الكمية من المياه.. وكذلك عادت تلاحظ تلك النظرة الغريبة التي لاحت في عيون جاريتها من قبل ولم تعرها التفاتا، لكنها في هذه المرة قالت:
-ماذا بك يا عفراء؟
قالت عفراء وقد بدت في نظرة عينيها بعض القسوة الممزوجة بالحزن:
-لست عفراء.. ليس اسمي عفراء يا المارية) إن أسمى جلنار..
تعجبت المارية لتلك النظرة، ودهشت لأنها خاطبتها باسمها مجردا من كلمة يا سيدتي.. أو يا مولاتي.. فأمسكت بها في دهشة ولكن في تعاطف مع الدموع التي لاحت في عينيها..
-ماذا بك يا عفراء؟ هل أغضبتك..
نزعت جلنار كفها من بين يديها وقالت:
-اسمي جلنار.. وأرجوك يا سيدتي.. لقد حققت لك حلمك بمياه النهر.. فاستمتعي كما تشاءين ولكن دعيني أحقق حملي بالعودة إلي وطني.. إلي أهلي.. فقد كنت سيدة في بلادي.. سامحيني.. فلابد لي أن أفعل ذلك.. الوداع.
وانسحبت جلنار إلي وسط النهر وهي تلوح للمارية ثم استدارت سابحة نحو الضفة الأخرى وهي ترنو إلي ما وراء الضفة حيث مراعي طفولتها، وحيث أتضح فيها أصوات الأطفال الذين يلعبون في حرية..
بينما ظلت المارية واقفة وسط الماء كجنية عارية صعدت من الماء ولم تنزل من الصحراء.. مذهولة لا تستطيع أن تنطق من المفاجأة.. إلي أن تمكنت من استعادة نفسها حين تساقطت دموعها.. في مياه نهر لا تعرفه.. وجمعت مشاعر الخوف والرهبة الممزوجتين بسعادة غامضة:
-جلنار مع السلامة..
علي صوت المارية الصارخ.. أتي عدد من جنود العجم وشراذمهم الهاربة من المعركة عندما رأوا الدائرة تدور عليهم.. وما أن رأوا الحورية العارية في النهر حتى انتابهم رعب سمرهم فقد ظنوها لفرط جمال جسدها حورية من بنات النهر..
وعندما رأتهم المارية صرخت مرعوبة، وأسرعت تستر جسدها بالثوب الملقي على الضفة.. عندئذ عرف الجنود أنها إنسية فعادت لهم أرواحهم بعد أن سلبتهم إنسانيتها سحر ذلك الجسد الرائع الذي يشع نورا..فاندفعوا ناحيتها.. يحاولون النيل منها..
لكن سرعان ما تحول هجموهم عليها إلي قتال شرس فيما بينهم تطايرت فيه رؤوس.. وقطعت أيدي وكسرت عظام..
وحولهم منظر الدم وأحاسيس الألم إلي وحوش تلوح في عقولهم أطياف جسد الفريسة فيزيدهم شراسة..
وفجأة علت صرخة أعجمية لها كبرياء وقدرة علي السيطرة.. فوقفوا أجمعين كأنما شلتهم المفاجأة.وحين أفاقوا أسرعوا يركعون أمام الملك الصلصيل الذي كان يحاول جمع شراذم جيشه المقهور،ليعاود الهجوم فرارا من الهزيمة..
وحين استوضحهم سر قتالهم.. أشاروا في رعب ناحية المارية التي كانت تحاول إكمال ستر جسدها المضىء في رعب..
اهتز قلب الصلصيل عندما ومض في عينيه بريق الجسد المضىء.. فتقدم منها في بطأ ووجل وهو يملأ ناظريه منها..
-من أنت أيها الحورية؟..
فردت وهي تحاول استعادة رباطة جأشها وإخفاء رعبها عندما عرفت هويته..
-أنا الأميرة المارية ابنة القاضي بدير شيخ قضاة بني هلال..وأخي هو.. فضحك مقاطعا في زهو وقد أسعده أن تقع في يده هو بالذات:
-لم تعودي كذلك يا جميلة لم تعودي..
ثم نزل عن حصانه وجذبها إليه بعد أن أمسك بذراعها في قوة..
-الآن أنت أسيرة الصلصيل يا ست البنات ومن نصيبه.. وستكونين أعز جواريه.. صرخت المارية صرخة هائلة رددتها الطيور الفزعة..
-لا. يا غنيم.. انقذني..
كانت قد تعرفت علي ابن عمها"غنيم" الذي تصادف مروره بالقرب منهم في طريق عودته من مهمة..
لمحته فصاحت به فاندفع كالسيل يهجم علي الصلصيل مخترقا الجمع المحيط به من عساكره وعبيده..
وتلقاه الصلصيل في بأس وقوة.. فقد كان مقاتلا شرسا.. وبينما قيد الجنود المارية وأركبوها حصانا مبتعدين بها عن ميدان المعركة.. بينما ظل الفارسان يصولان ويجولان ويحاور كل منهما الآخر في قوة وعنف.. تشتعل في قلب غنيم نار العار التي ستلحق بعمه بسبب أسر أبنته.. وتعتمل في قلب الصلصيل لواعج إعجاب وهوى شديد للحصول علي تلك الحورية، التي طرحها النهر كجنيات الحكايات القديمة.
وطال القتال حتى استطاع الصلصيل أن يواجه ضربة إلي غنيم ألقت به قتيلا علي ضفة النهر.. فشهقت المارية شهقة أعقبتها صرخة ألم تحمل كل عذابات الأسر والعبودية التي راودها طيفها وأحست طعمها المر حين شاهدت فرحة الحرية في عيون جلنا..
وشاهد بعض العربان من بني هلال ما حدث فمضوا حزاني يبلغون الخبر إلي القاضي بدير الذي صرخ صرخة حزن رهيبة أفسدت عليهم فرحة الانتصار.
أسيرة في قصر النعمان
ظل بكاء القاضي بدير المبالغ فيه كما قال أبو القمصان يخيم علي مضارب بني هلال.. فيزيد من حزنهم عندما يهزمون.. ويعكر صفو فرحتهم إن عادوا منتصرين..
وكانت خطواته الثقيله برأسه المنكفئة علي صدره خجلا وحزنا .. لأسر ابنته.. تثير تعليقات العامة والأمراء..
- ما الذي يفعله بنفسه؟.. هل هذه أو مرة تأسر له ابنة؟..
- وهل ابنته أعز عليه من بناتنا؟..
- ما الذي كانت تفعله عند نهر الفرات؟..
- هذا هو الأمر العجيب.. هل كانت ذاهبة لتستطلع أمور الأعداء؟..
- أم كانت تخطط للهرب إليهم؟..
- اخرسوا.. المارية لما تكن لتذهب إلا غصبا عنها..
- إذن أين جاريتها.. ولم أخذتها معها؟ أليس هذا ما يؤكد أنهما كانتا تحاولان الهرب..
- أغرتها الجارية بالذهاب..
وكان هذا الكلام يصل إلي القاضي فيزيد من غضبه وحزنه.. ولكنه لم يكن يستطيع إيقاف حديث الناس أو الرد عليهم.. لأنه هو نفسه لميفهم لم ذهبت ابنته في صحبة جاريتها إلي النهر؟.. ولم خرجت أصلا من خبائها وابتعدت عن المعسكر كل هذه المسافة؟..
كانت شكوكه تزداد فتقبض بيد من حديد علي قلبه.. كلما وصل إلي سمعه ما يقوله الناس، ويحكونه عنها وعن غرامها بالملك الصلصيل.. الذي يدعون أنه قابلها كثيرا قبل هذه المرة، التي خطفها فيها، بل وتطوع بعضهم كي يؤكد أنه رآهما بنفسه .. وأضاف البعض من عنده ما يؤكد أن الصلصيل هو الذي أرسل الجارية من قبل عندما سمع عن جمال المارية..
ضاق صدر القاضي بدير بهذه الحكايات.. فلجأ إلي أبو زيد ليفتح له الكتاب أو ليقرأ الرمل أو يستخدم قدراته الخفية السحرية ليبين له وجه الحقيقة حتى يرتاح قلبه.. وهويقسم له أنها لو كانت قد ذهبت إلي الملك الصلصيل بنفسها فسوف يوافق علي زواجها منه.. وقد يكون ذلك هو السبيل لوقف هذا الاقتتال المفجع الذي لا تبدو له نهاية..
- قد يكون زفافها إليه السبيل إلي السلام. يا أبو زيد.. لكن لابد أن نعرف.. وأن يكون هذا برضائي.. ارحمني يا أبا زيد.. فالشكوك تكاد تقتلني.. والشعور بالعار يشق قلبي..
***
في اليوم التالي قرر أبو زيد ألا يخرج للقتال. فسخر دياب وهو يقول:
- مرة أخرى تفضل أمور السحر والكيمياء علي القتال.. ألذلك غضبت لأنني رددت رسولهم خائبا وأهنته وأهنتهم لأنهم يريدون نهب أموالنا..
قال أبو زيد دون أن يتحرك من أمام باب خيمته:
- مادمت استطعت أن تقنع الأمير حسن بما فعلته يا دياب.. فحاول اليوم أن تبرر له كل هذه الخسائر.. فقد تعيد الفرحة إلي قلب القاضي بدير.. بأن تعيد إليه انته المارية..
أدار دياب فرسه في كبرياء وهو يقول:
- فلتبق في الخباء يا أبا زيد.. ولسوف تنصرني اليوم الأرض والسماء معا.. لأذيق ملوك العجم الردي لتطاولهم.. ولتعد أنت لكتبك وأباريقك.. أعانك الله علي ساعات ضيقك..
وانطلق دياب قد أقنع الأمير حسن علي رأس الهلالية إلي المعركة حيث كانت جيوش الأعجام.. منتشرة فوق التلال والسهول في أبهة ونظام..
وكان الأمير حسن قد عاد من نجد بعد أن حمل إلي أهلهم هناك الكثير من الخيرات والأنعام التي كسبوها خلال معاركهم السابقة.. ولما عاد كانت شهيته قد تفتحت للمزيد من الغنائم.. ولذا أقر دياب علي خطته وخرج معه رغم أن رجاله كانوا متعبين من الرحلة.. وصور له دياب أن كل شيء علي ما يرام..
ولكنهم ما أن خرجوا للأرض المكشوفة حتى انقضت عليهم جيوش العجم.. من كل ناحية.. وبذل الهلالية كل ما لديهم من جهد وقوة.. ولكن الدائرة دارت عليهم.. فقد كان العجم يخرجون إليهم فيلقا وراء فيلق.. وجيشا وراء جيش.. حتى حاصروهم وحاصروهم.. فتراجعوا مدافعين عن أنفسهم حتى وصلوا إلي مشارف المضارب وازداد الصراخ والعويل.. ولما وصلت بعض النساء إلي خيمة أبو زيد تستنجد به وتستثيره.. ترك ما بيده وأخذته النخوة.. واندفع فوق حصانه شاهرا سيفه يهاجم العدو.. ويشد أزر المنسحبين ويعيد الروح إلي الخائفين وهو يصيح صيحات تهتز لها الجبال.. حتى صد الهجوم ومنع تقدم العدو..
واستعاد الهلالية مع صرخاته وصيحاته عزمهم.. فقويت روحهم وصاروا يكرون حوله وخلفه.. حتى استطاعوا استعادة زمام النصر.. وحرروا من وقع في الأسر.. وردوا العجم عن المال والحريم.. وسبحان الله العظيم مبدل الهزيمة نصرا..
وعندما عاد أبو زيد بعد أن هبط المساء وحوله الجند يهتفون وسط زغاريد النساء.
قال له الأمير حسن:
- مثلك تكون الأبطال يا زينة الرجال:
وقال دياب في خجل:
- لولاك يا فارس لكنا في خبر كان.
بينما تعلق القاضي برقبة فرسه وهو يصرخ..
- لكنني أريد المارية فمازالت في الأسر ضحية..
فطيب أبو زيد خاطره وقال:
- اطمئن يا قاضي العرب.. غدا ستعود لك ابنتك أيها الشيخ الجليل.. وستشفي عودتها ما بقلبك وقلبي من غليل.
***
قبيل الفجر تسلل أبو زيد ومعه أبو القمصان وبدر بن غانم وقد ارتدوا ملابس الأعجام.. وتسللوا إلي مدينة الكوفة مع الداخلين إليها من تجار ورعاة وباعة وسماكين وجمالين.. كان الجنود يراقبون الداخلين والخارجين في حذر وتدقيق..
ولكن لغة أبو زيد الفارسية سهلت الأمر عليهم فأخذوا يعرضون ألعابهم في السوق.. ولعب أبو القمصان دور المهرج المضحك البهلوان.. بينما راح أبو زيد يقوم بدور المصارع الجبار الذي يأكل النار.. ويفك سلاسل الحديد.. بينما بدر بن غانم يلعب دور الأخرس الذي يقرأ الفنجان..
وكان أبو زيد يقود جماعته عبر حواري وشوارع الكوفة التي يعرفها تماما.. حتى حل الظلام.. وخف حولهم الزحام.. وتفرق الناس كل إلي بيته.. فتغير الحال.
وقفزوا في خفة الفهود وتسللوا إلي قصر الملك الفرمند حيث عرفوا من أحاديث الناس وثرثرة الحراس.. ما جرى بين ملوك العجم حين رأوا جمال المارية. وكيف قرروا منعا للخلاف والاختلاف إهدائها إلي الملك الفرمند.. وكيف خضع الصلصيل لقرارهم علي مضض..
***
كالفهد قفز أبو زيد وتسلق شجرة باسقة تطل علي القاعة الرئيسية حيث تجمع ملوك العجم وحريمهم يحتفلون ويتدارسون الموقف بعد ظهور أبو زيد وصده لهجومهم..
ولمحهم جالسين علي عروشهم حول عرش الملك الأكبر الفرمند والمارية وسط الحريم كالقمر بعد أن ألبسوها ملابس الأميرات.. وكانوا يستمعون للغناء وهم يأكلون ويشربون..
حاول الملك الفرمند أن يعطي المارية كأسا من الشراب فرفضت وقالت له:
- نحن بنات العرب لا نشرب إلا لبن النوق يا ملك..
فضحك الفرمند وضحك معه الجميع، ما عدا الملك النعمان الذي كان وهو العربي حزينا لأسر المارية التي يعرف أصلها وفصلها.. وأخذ يتحين الفرص لإنقاذها..
وأمر الملك الفرمند أن يحضروا العود المارية لتسمعهم بعض غناء العرب.. الذين يعرف عنهم أنهم يعلمن نساءهن فنون الطرب..
وعزت علي المارية نفسها أن تكون مغنية تطرب أعدائها.. ولكنها أمام إصرار الملك تناولت العود وأخذت تغالب حزنها وبكائها وغنت فطرب السامعون إلا أبا زيد فقد مزقت الأغنية قلبه.. إذ كانت تناديه أن ينقذها مما هي فيه..
ولما زاد طرب الفرمند أمر لها بكأس من الخمر، ولكنها رفضت إطاعة الأمر وذكرت بأنها لا تشرب إلا لبن النوق والغنم.. وليست كبنات العجم..
وهنا تدخل الملك النعمان وقد زادت به الأشجان.. وكان الملك الفرمند متزوجا من ابنته هند فائقة الجمال.. وكان له عليه بعض الدلال..
وطلب من الفرمند قائلا:
- أعفها من هذا الكأس.. فهي ليست كغيرها من الناس.. وتناول الكأس وشربه هو.. وقال للملك.. سوف أخذ المارية إلي بيتي بعد إذنك لتكون في الحفظ والصون حتى تنتهي الحرب.. فقد يكون سلامتها ما يساعدنا علي إملاء شروطنا..
وهنا اندفع الصلصيل معترضا..
- أنا الذي أحضرتها ومادام الملك الفرمند لا يريدها فأنا أحق بها.. أنا الذي كسوتها فاخر الثياب وسآخذها إلي قصري..
وكاد تنشب بينه وبين النعمان معركة إذ جردا سيفاهما.. وكاد أبو زيد نفسه يقفز إلي الداخل، لولا أنه تماسك حتى يري ما ينتهي إليه الأمر.. إذا زعق الملك الفرمند في الصلصيل ونهاه وسمح للنعمان أن يصحبها إلي قصره.. حتى يفكر في الأمر وينفذ ما يراه..
- لست أريد أن ينشب بينكما خلاف ولكن متى ظفرنا بهؤلاء العرب سوف نرى ما نفعله بها.. أما الآن فلتذهب مع النعمان.. حيث تجد بين أهله من تتكلم معه.. وليعاملها كأميرة وليس كأسيرة..
ونزل أبو زيد بسرعة من علي الشجرة.. وحكي لزميليه ما جرى.. وانتظر خروج النعمان فتبعه معهم إلي قصره.. حتى اطمأن علي سلامة المارية.. ولما اعترض زميليه علي تركها تذهب معه .. قال أبو زيد:
- إنها في بيت النعمان في أمان.. هذا الرجل النبيل.. يستحق كل جميل.. فلا يجب أن نحرجه أمام الأعجام.. سوف نعيدها إلي أبيها بعد أيام.. حين ننتصر عليهم.. ونفرض السلام..
واحدة بواحدة
قال الراوي..
بعد حروبهم وانتصارهم علي الأعجام وصل بنو هلال إلي بلاد الشام.. ودارت بينهم وبين ملوكها وأمرائها حروب يشيب لهولها الولدان..
وكان لحكمة أبو زيد وحسن تقديره للأمور.. فضل كبير لما هم فيه من انتصار وسرور.. فقد كان يقدر لرجله قبل الخطو موضعها. وكان يختار للمعركة التي يدخلها موعدها وموقعها..
وحين وجد أن جيوش الملك برديس ملك"حلب" أقوى من جيوش بني هلال.. من حيث العتاد والسلاح والرجال.. وافق علي أن يدفعوا له عشر الأموال.. ولكنه دبر أن يرحلوا بأموالهم تحت جنح الظلام.. مما أثار غضب برديس فصمم علي الانتقام..
وخرجت جيوشه بقيادة وزيره الخزاعي تطاردهم.. حتى لحقت بهم وكان الحظ يعاندهم.. ولما برز الخزاعي يطلب أبو زيد للنزال.. خرج إليه مثقل القلب مشغول البال.. ولذا تمكن الخزاعي من إصابة الجواد فسقط أبو زيد يتخبط فيما عليه من سلاح وعتاد هنا هجم دياب علي الخزاعي ليلهيه ويعطي فرصه لأبي زيد ان يركب جوادا أخر ينجيه..
وجال الفارسان واشتد بينهما القتال.. حتى استطاع دياب أن يضرب الخزاعي ضربة فقتله في الحال.. وهنا هجمت جيوش "حلب" .. وقد تملك من ملكها برديس الغضب.. ولكن الزغبي دياب تصدى له في قوة غير هياب.. حتى استطاع أبو زيد أن يجمع أشتات بني هلال.. ويقودهم من جديد إلي القتال.. وظلت المعركة تدور بين الجيشين.. حتى حل المساءوهبط الظلام.. ففصل الليل بين (بني هلال) وجيوش الشام..
وشكرا الأمير حسن لدياب ما فعله مع أبو زيد الهلالي، لكن دياب قال له:
- يا أمير لا تبالي.. فلم أفعل سوى ما يمليه علي واجبي.. وسيظل أبو زيد رغم كل شيء حبيبي وصاحبي..
وكالعادة .. ظن الأمير حسن أن دياب يعرض بما فعله معه.. حين لامه بشده وأسمعه كلاما أوجعه.. يوم تسبب في إشعال الحرب مع الأعجام بينما كان من الممكن أن يعبروا أرضهم في سلام..
حينئذ قام أبو زيد واحتضن دياب وشكره علي إنقاذ حياته بتدخله في اللحظة المناسبة ف كان سببا في نجاته..
وقضي الجميع الليل في استعداد لمعركة اليوم التالي.. وهم يتعاهدون علي أن يدفعوا في سبيل هزيمة برديس كل رخيص وغالي..
وفي الصباح خرج إليهم برديس وفي قلبه تشتعل نيران الرغبة في الانتقام لمقتل وزيره الهمام .. وخرج إليه دياب علي الفور بعد أن طلب من أبو زيد أن يترك له الدور .. واستطاع دياب بعد قتال دام طويلا، أن يردي برديس قتيلا..
قلما رأي جنوده ما حدث له زاد غضبهم.. وهجموا هجمة رجل واحد لينتقموا لملكهم.. واشتبك الفريقان وجرى بينهم الدم وسال. ووقعت النصال علي النصال.. وتزلزلت الأرض ممن ضجيج الأبطال.. حتى أحس جيش حلب أن الدائرة قد دارت عليهم وأيقنوا من الانكسار فلاذوا بالفرار.. وتحصنوا بأسوار المدينة التي باتت مهزومة حزينة..
ولما أتي الصباح.. خرج التجار والأعيان وعلي رأسهم الأمير جمال بن الملك برديس يطلبون الأمان. وأن يعامل بنو هلال أهل المدينة بالإحسان.. وأقام بنو هلال في مدينة حلب. عشرة أيام.. في سلام واحتفالات وطرب..
ثم تجهزوا للرحيل قاصدين مدينة"حماه".. محملين بأطنان مما افتدت به حلب.. نفسها من الفضة والذهب..
وودعهم أهلها في فرح وسرور بعد أن تصالحوا معهم وسووا ما بينهم من أمور.. إلا واحدا من تجارها.. كان أسمه كساب.. لم يغفر أبدا لدياب قتله للملك برديس.. وما سببه هذا له ولتجارته من خراب..
صلوا علي المصطفي الهادي يا أولي الألباب واستغفروا المولي عالم الغيب ومسبب الأسباب..
***
كان كساب من أشهر تجار المدينة وأغناهم وكان أقرب التجار للملك المقتول برديس لأنه كان حلقة الاتصال مع ملك "قبرص" المسمي بالهراس..
وكان الهراس يسيطر علي تجارة العبيد في شرق البحر المتوسط، يخطف الأطفال من بلاد الشام والعجم ويهربون إلي قبرص حيث يأتي تجار العبيد من أوروبا لبيعهم هناك في المزارع والمناجم..
وكان برديس يحمي كساب ويشاركه هذه التجارة .. التي كانت تقوم علي مبادلة المخطوفين بكافة أنواع البضائع..
وقد حدث قبيل مقتل الهراس أن كانت قافلة كبيرة له عائدة من "قبرص" محملة بمختلف البضائع فوقعت في يد دياب والزغابة.. ولما قتل دياب برديس انقطع أمل كساب في استرداد بضاعته التي كان الاستيلاء عليها كارثة تكاد تقضي عليه وعلي ثروته.. بل وعلي مكانته عند الهراس.. فقرر أن يذهب إلي الأمير دياب يرجوه أن يرد إليه ما اغتصبه من أمواله.. فضحك دياب وقال..
- أنا لا أعرفك يا رجل وهذه القافلة كانت ملكا لبرديس كما تدل كل الأوراق.. وكما قال الرجال المصاحبين لها.. كيف تدعي بعد ذلك أنها ملك لك.
فتوسل إليه كساب وحاول أن يشرح له العلاقة فقال:
- يا سيدي .. أنت لا تفهم..
ولم يتركه دياب يكمل كلامه بل هب غضبا شاهرا سيفه.. زاعقا..
- أنا لا أفهم يا كلب حلب.. أغرب عن وجهي والله لولا سنك لقطعت رأسك.. وفر كساب مهرولا من أمام دياب والحسرة تأكل قلبه.. وخاف أن يبقي في المدينة فهرب إلي قبرص يشكوا المصيبة لشريكه وصديقه الملك الهراس.. الذي استشاط غضبا وأقسم ليخطف دياب نفسه .. ويذيقه العذاب بيديه..
وكان عند الهراس ثلاثة شبان من البهلوانات كانوا يشتغلون في سيرك متجول.. ويلعبون في الأسواق والأعياد ألعاب خفة اليد والمصارعة والمشي علي الحال. ألحقهم بخدمته وجعلهم من المقربين جدا من حاشيته وخاصته.. يرفهون عنه ويتجسسون لحسابه.. ويهيئون له كل متعة ويحققون له كل رغبة، فلما رأوه مهموما مغموما.. أخذوا يروحون عنه بكل الوسائل.. فلم يبتسم وجهه ولم ينشرح صدره إلا حين أكدوا له أنهم قادرين علي انتزاع دياب من فوق فرسه ولو كان في قوة "شمشون" .. وإحضاره إلي قبرص خاضعا ذليلا ولو كان في "برج بابل"..
وعلي هذا الوعد .. أسرعوا بتجهيز مركب بكل ما يحتاجونه من بضاعة وأدوات ومواد، وأخذوا معهم من الهدايا والعطايا ما يليق بالملوك.. وأبحروا إلي اللاذقية دون تأخير..
وكان الثلاثة يتقنون من اللغات ما يجعهلم يبدون كأنهم من أبناء البلد التي ينزلون إليها.. وقد أكسبهم تجوالهم وسط الأسواق في كل بلدان شرق المتوسط خبرة بالناس وبالحيل والحكايات ما يشق لهم أي طريق ويسهل أمامهم كل صعب، فقد كانوا مهرجين وممثلين ومصارعين وسحرة..
وما أن وصلوا حتى أمنوا حراسة مركبهم وحملوا معهم ما خف وغلا من الهدايا وبدلوا ملابسهم وانطلقوا يتبعون أثر بني هلال..
وما أن وصلوا إلي "حماة".. حتى طلبوا المثول أمام الأميردياب فقد أحضروا له ولأمراء الهلالية من الهدايا ما يأخذ بالألباب ويفتح عصي الأبواب..
- هذا يا سيدي سيف العقرب الذي يلدغ مثل العقربة السوداء فلا نجاة لملدوغ به ولو بشكه..
- وهذا خنجر إمبراطور الهند وملك السيخ الذي يقطع الشعرة الطائرة في الهواء..
- وهذا إبريق فضة صنعه حارس النار في جبل "الأولمب" بنفسه هديه لأمه.. ولا يفرغ منه الماء طالما هناك غيم في السماء..
وفهم دياب منهم أنهم ينوون إهداء كل من هذه العجائب الثلاثة مع مملوك أشقر الشعر ميلح الوجه من بلاد الغرب لا يقدر بمال.. إلي كل من حسن بن سرحان وأبي زيد الهلالي والقاضي بدير بن فايد..
كانوا يعرفون كيف يثيرون غيرة دياب وحنقة علي هؤلاء بسبب تهوره وبسبب ما به من غباء يتعلق بما يمس كرامته أو يضعه في مرتبة دنيا عمن ذكروه من أسماء..
- ولماذا تأتون إلي تطلبون حمايتي وأنتم تفضلونهم علي .. اذهبوا إليهم أيها الأشقياء..
وصنع فعلهم ما قصدوه.. فطيبوا خاطر دياب وأقنعوه أنهم لم يأتوا إلا إليه.. وهذه الهدايا له يفرهقها علي من يشاء ويعطيها لمن يريد.. أو يحتفظ بها إن شاء.
- ومع ذلك فهديتك أكبر قيمة .. فنحن نعرف أقدار الرجال.. يا سيد أبطال بني هلال.
ووضعوا أمامه صندوقا يحمله رجلان بصعوبة، ما أ، فتحه حتى خطف بريق اللؤلؤ والجواهر عينيه.. وملأ قلبه غبطة وسرورا ووضع علي عقله ستورا.. وقالوا له أنهم لا يطلبون حماية غيره.. فهو وحده القادر علي تأمين تجارتهم الفاخرة الغالية.
خلال نقلهما من اللاذقية إلى حماه… وكان غرضهم من إهداء تلك الهدايا للمذكورين أن يأمنوا شرهم عليه .. وأن يبعدوا عنه أطماعهم…
وأصاب كلامهم عقل وقل دياب فى مقتل ، خاصة أنهم أكدوا له أن هذه التجارة كان يحميا برديس وأن قاتله هو لأحق بنصف الأرباح التى كان يأخذها لقاء حمايته لهم…
قال دياب:
- سأفعل .. ولو كانت بضاعتك تحتاج لمائة ناقة.. لقمت بحراستها بنفسى.. وسوف آتى معكم وحدى لكى أعين بضاعتكم وأهيئ لها كل سبل الأمان…
وعلى الفور… ركب الثلاثة عائدين بصيدهم إلى اللاذقية…
وحرص دياب على ألا يراه أحد من رجاله… ولكنهم ما أن خرجوا من حماة حتى لاقاه الأمير عمار أخو الأمير حسن .. فناداه:
-إلى أين تقصد وحك يا ابن غانم؟ ومن هؤلاء الأغراب؟
فارتبك دياب ولكنه تمالك نفسه وقال:
- لا تشغل بالك يا عمار.. أنهم ضيوفى الشرفاء أصحبهم على الطريق لأجنبهم الغوغاء والسفهاء.
أصر عمار أن يذهب معه على غير رغبته:
- دعنى آتى معك لأعود معك…..
لكن دياب زجره:
- وهل أنا فى حاجة إلى حمايتك … أشكر للك همتك ولكنى كفيل بذلك فلا تتعب حالك… وارجع….
وعاد الأمير عمار إلى الديار…
بين أنطلق دياب مع البهلونات الثلاثة حتى أشرفوا مع الفجر على البحر.. ولم يكن دياب قد سمع أو رأيى بحراً فى حياته.. وكانت الليلة بلا قمر… والبحر هائج فارتج عليه…
وبلغ دوى الماء أذنيه كأصوات شياطين أطلقت من حبوسها.. وأطلقت عليه أوهام الغدر والخيانة. وخاصة عندما رأى الثلاثة غير مبالين بهذا العصف والقصف الذى لا يعرفه له مصدراً ول يفهم له سراً ولا تفسيراً.
وكاد يصيبه المرضى وأحسن بدوار كأنما تنزع من بين ضلوعه… ولما وصلوا إلى حيث السفينة رفض أن يركب معهم ولما لاحظوا ما أصابه… ترفقوا معه وطيبوا خاطره.. وأسرع أحدهم فأحضر خيمة رائعة نصبها على الشاطئ وحين دخلها ردت إليه روحه … وعاد إليه وعيه.. إذا كانت خيمة رائعة .. صفراء مذهبة بخيوط الذهب ومرصعه بالجوهر والمرجان والزمرد الأخضر … مفروشة بالطنافس والأرائك…ولما سقوه بعض الشراب انتعش… فأخرجوا له من إحدى القبح بذله إمبراطورية مزدانة بكل فأخر وباهر… لبسها دياب فظن نفسه إمبراطور الروم والعجم… وعاد له اطمئنانه فابتسم… وأتوا إليه بالمأكل والمشرب… وجلسوا حوله يطيبوه خاطره ويشرحون له ما ظنه من صنع الجن.. وحكوا ليه عن البحر وماوراءه… وعزف بعضهم على السنتورى ألحانا راقصة حتى أطمئن تماماً… فبنجوه .. فى الحال.. وقيدوه بالسلاسل والجبال… وحملوه إلى المركب التى سرعان ما فردت أشرعتها .. وحولت دفتها مع المد إلى " قبرص" ، إلى الهراس قاتل الرجال..
ولما أفاق دياب فى الصباح وجد نفسه مقيداً إلى الصارى الرئيسى على السفينة.. وكل من حوله يرتدون ثبات الأغراض فتأسف على حال وندم وعرف أنه قد أخذ غدراً من نقطة ضعفه التى تطارده أينما راح…. وهى تهوره وغروره الذى لا يفله سلاح..
قال الراوى..
ولما غاب دياب عم القلق الهلالية.. وحين حكى عمار ما حدث منه حين قابله مع الأغراب… عرف الجميع أنه وقع فى مكيدة شيطانة… وخدع بحيلة.. بهلوانية.. فلجأوا لأبى زيد الذى ضرب الرمل وفتح الكتاب.. فعرف أن دياب.. مأسور فى قبرص وأن الهراس يسومه العذاب…
ورغم أن شماته خفيه برقت فى قلب الأمير حسن .. إلا أنه لم يستسلم لها وطردها فى حزن وشجن. ولما رأى أبو زيد حالة .. قال له .
- يا أمير أنا سأخلص الأسير.. لقد أنقذ بالأمس حياتى وكنت قد أيقنت مماتى وسأرد له الجميل … وتكون واحدة بواحدة..

مغامرة في قبرص

مغامرة في قبرص
كعادته كلما قام بمثل هذه المغامرة اختفي أبو زيد عن الأنظار.. يفكر ويدبر ويجهز أدواته ويختار ملابسه ومواده ويضع الخطة التي ستمكنه من الفوز..
وأخيرا ودع الأهل والأصحاب الذين أصروا علي أن يصحبه حرس خاص حتى "اللاذقية" .. وبقوا هناك ينتظرون عودته سالما من البحر ليسرع بعضهم بأنباء انتصاره المؤكد حتى يخرجون للقائه كما يليق به..
وقبل أبوزيد صحبة الحرس علي مضض فهو يفضل دائما أن يلعب ألاعيبه الخفية بطريقة سرية.. ولذلك حين وصلوا إلي مشارف المدينة.. ودعهم ودخلها وحده ليستكمل تنكره.. ويبعد كل ما يلفت الأنظار إلي هويته..
ثم ركب إحدى السفن المغادرة إلي "قبرص" راهبا من رهبان دير "الجبران" ببيت المقدس.. يتحدث بلسان السريان.. ويحيط نفسه برائحة البخور وهمهمات الإيمان.. حتى صار ركاب السفينة يتبركون به.. ويعترفون له.. بل وقام بتعميد طفل ولد علي المركب.
وبهر الجميع بما هو عليه من علم وما يضفيه حوله من رهبة وخشوع.. ترتفع لهاآهات التقوى وتسيل الدموع..
***
حين وصلت السفينة إلي قبرص.. قصد الراهب علي الفور الملك الهراس ليقدم نفسه إليه كرسول للملك مثقال الذي كان يشاركه تجارة العبيد واقتسام الأرباح والأموال.
ولما رأي موكب الملك الهراس خارجا للصيد ألقي بنفسه في طريقة بعد أن سحب المبخرة وغذها بالبخور الكثيف الدخان النافذ الرائحة حتى لفت نظر الملك.. فقدم نفسه إليه.. ودار حوله بالبخور الزكي الرائحة حتى أسكره فسأله عن هويته فقال له:
- لي عشرون عاما أسيح في البلاد وأزور الأديرة وجئت إليك لأحذرك من بني هلال.. الذين يتربصون بتجارتك.. التي لم تصل منها قافلتك الأخيرة للملك مثقال مثلما حدث لقافلة كساب التي لم تصل لبرديس ولكنها كانت فريسة لدياب..
تعجب الملك الهراس لمعرفة الكاهن كل هذه المعلومات التي لم تذع بين الناس.. ولوهلة كالبرق شك في أن يكون الرجل مدسوسا عليه من قبل بني هلال.. بل همس لنفسه أنه قد يكون أبو زيد نفسه جاء يمارس عليه خدعة من خدعه..
وكأنما قرأ أبو زيد ما يدور برأسه فقال:
- أبشرك يا مولاي إنهم في بني هلال فرحون لاختفاء دياب الملعون في كل كتاب والموضع الآن تحت العذاب جزاء وفاقا علي ما اقترف. والذي أرجو أن يكون بذنبه قد أعترف.. ونال ما يكفيه لقاء ما جناه بيديه الآثمتين التي لم تراعي حرمة دير أو مكانه رهبان..
وأخذ يقرأ بعض المزامير بلغتها وهو يدور حول الحصان بالبخور يباركه ويبارك خروجه للصيد..
- ستصيد اليوم يا مولاي.. غزالا لم تر العين مثله من قبل في هذا المكان.. صده حيا يا سيدي فموته قد يطلق في الأرض روح الشيطان..
ازداد قلق الهراس ولكنه كان قد وقع في أسر الكاهن.. وقبل أن ينطق نظر الكاهن في عينيه نظرة عميقة مؤثرة وهمس له:
- وسيقابلك غراب زاعق ناعق.. لابد أن ترديه قتيلا. وإلا كان ذلك نذير شؤم، ودليلا علي أن الأمر سيكون وبيلا..
طلب منه الهراس أن يصحبه ليبارك رحلته ويهدئ من قلقه.. ولكن الكاهن اعتذر لأنه لا يحب أن يرى دماء الحيوانات البريئة تسيل..
فأمر بعض حرسه أن يصحب الراهب الجليل إلي القصر ليستريح من عناء رحلته الطويلة.. وليكون في انتظاره.. عند عودته ليستزيد من بركته وخبرته..
***
عاد الهراس سعيدا لأنه اصطاد ذلك الغزال الجميل الذي تنبأ بصيده الراهب.. ولكن القلق كان يعصف برأسه لأنه لم يصب ذلك الغراب الغبي الذي زعق فوق رأسه..وخشي أن يكون ذلك دليل نحسه..
فأسرع إلي الكاهن ليعرف رأيه..
واستطاع أبو زيد ببراعته أن يسحر ألباب الحاضرين بفصاحته.. إذ كلمهم باليونانية والفارسية.. ورطن بالسريانية والقبطية.. وقرأ عليهم مزامير داوود.. ونشيد الأنشاد بالقبطية وطمئن الهراس أن الغراب سيأتي إليه طائعا مستسلما ليضعه في قفص بناء علي أمر من راهب دير الجيران..
ثم أنه أخرج ثلاث سمكات مباركات من دير البنات، ودير جبل الكرمل.. ودير المحرق الموجود بمصر.. وأشعلها في حضرة الهراس.. وما أن فاح عطرها في المكان مختارا.. ليستقر علي ذراع الراهب الذي كان يتمتم بأشياء لا يعرفون لهامعني.. ليدخله في قفص ويقدمه للهراس الذي هب من فوق كرسيه خاشعا مذهولا من قدرات هذا الراهب.. وطامعا في بركاته.. وأصبح قلبه في قبضة أبي زيد كما أصبح غراب الشيطان المزعوم في قبضة القفص الحديد..
عليك الآن يا سيد الجزيرة أن تأخذ الغراب لتذبحه تحت أقدام أسيرك دياب. المقدر له أن يذوق علي يدي صنوف العذاب.. انتقاما مما فعله في حق حفظة الكتاب..
أمر الملك الهراس بفتح السجن أمام الكاهن أبو زيد ليتم ذبح غراب الشيطان تحت أقدام دياب..
وتقدم بعض الحراس حاملين المشاعل.. وأشار الملك إشارة معنية ومد يده فأدار لولبا بجوار أرفف مكتبة بها العديد من المخطوطات والكتب.. فدار الجدار الذي يحمل الرفوف.. وكشف عن سرداب طويل به سلم من الحجر.. ودعا الكاهن إلي الذهاب مع الجنود ليقوم بما يجب عمله.. ثم داعبه ضاحكا:
- لكن احذر أن تقترب كثيرا من دياب فله مخالب قد تقبض علي عنقك .. ونحن في حاجة إليك..
وضحك فضحك كل الموجودين.. ما عدا أحد الرهبان المقربين إليه والذي أحس منذ سيطر أبو زيد علي عقل الهراس واكتسب ثقته أن مكانته تتراجع وخاصة بعد أن شكك في الكاهن الذي يدعي أنه من بيت المقدس.. والذي لم يسمع باسمه أحد..
لم يخف علي الهراس موقف الراهب فداعبه قائلا:
- لم لا تضحك.. هل داس أحد علي أقدامك..
فقال الراهب:
- أخشى أن أحدهم قد داس علي قلبي يا سيدي..
فقهقه الهراس بشدة حتى اضطر للجلوس لكي لا يسقط الكأس من يده من شدة الضحك..
- ومن هذا الذي جرؤ علي أن يفعلها ويدوس علي قلبك الذي أعرف أنه قد من حجر. فأصابك بكل هذا الحزن هل هو كاهن دير الجبران؟
- سيدي .. لا.. فأنا لا أهتم ولكني أخشى عليك.. فثقتك الزائدة هي التي تقلقني..
- إذن من هو؟
- أنت يا مولاي.. لقد خدمتك علي مدى عمري.. وأحاول أن أفتح عيونك علي الخدعة الكبرى التي يدفعك للوقوع في براثنها هذا المحتال.. وأنت لا تصدقني:
- ولن أصدق أبدا.. أن هذا الكاهن الذي يحفظ الأناجيل والتوراة.. بالعبرية والقبطية.. بل والسريانية.. لا يمكن أن يكون هو نفسه ذلك الجلف البدوي أبو زيد .. لا.. أنت تبالغ حرصا علي مكانتك عندي..
وقام من مقعده وهب نحوه وربت علي كتفه مداعبا:
- مكانتك لن ينتقص منها هذا الكاهن عابر السبيل إنه جوال ولن يطيق البقاء عندنا.. بعد .. أن..
وهنا أضاف الكاهن في حزن:
- بعد أن يتم مهمته؟
هنا غضب الملك الهراس غضبا حقيقيا..
- أية مهمة؟ ..هل ستعود مرة أخرى للتشكيك في نواياه.. أم التشكيك في ذكائي؟.لا .. لن أسمح لك بذلك.. هيا.. اتركوني الآن فأنا أريد أن أستريح قليلا بعد هذا الجدل العقيم!!
***
ظل سلم السرداب يهبط بهم طويلا حتى خيل لأبو زيد أنهم وصلوا باطن الأرض .. فإذا بهم أمام باب حديدي كبير أمر كبير مراقبي الحراس بفتحة فدخلوا إلي سجن عجيب منحوت بالحجر .. له عدة نوافذ عبارة عن ثقوب من الصخر تطل علي البحر المتلاطم مباشرة..
وكان دياب مقيدا. وقد اشتد الحال عليه من قلة النوم ورداءة الطعام.. وذل الأسر ..كان ذائغ العينين مشعث الشعر يعاني من بثور وجراح فظيعة من أسلحة وأدوات التعذيب.. ونار الحريق.. وكاد أبوزيد أن يفقد حذره من شدة الغضب والحقد علي ذلك الهراس العديم القلب والشرف والذي يعامل مقاتلا مثل دياب هذه المعاملة..
لكنه تمالك نفسه بصعوبة.. وأراد أن يبدد ما قد يكون قد لاحظه مرافقوه.. فتقدم من دياب في غضب وصاح به: "خسئت أيها اللص القاتل"..
ثم صفعه صفعة رددت الجدران صداها..
فاهتز دياب من غيبوبته وكاد أن يمسك به ويفتك به لولا أن قفز أبو زيد بعيدا.. فصاح دياب:
- قطع الله يمينك أيها الثعلب.. الذي يصفع سجينا مغلول اليدين.
فأخذ أبوزيد خنجرا من طيات ثيابه وذبح الغراب في لحظة وألقي به علي دياب فلطخته دماء الغراب وهو يصيح..
- وأنت قطع الله عمرك من هذا السجن.
ثم استدرك..
- وأن يكون هذا اليوم آخر أيامك علي ظهر الدنيا..
عندما رأي دياب الغراب.. وسمع ما قاله الكاهن حتى فهم أن هذا الرجل ما هو إلا أبو زيد.. وكادت تفلت منه صرخة تنادي عليه ولكن نظرة كاللهيب واجهته فانخرس لسانه ولكنه أحس براحة شديدة.وتأكد أن الحرية أصبحت علي بعد خطوتين منه..
***
تجول أبو زيد في السجن مستكشفا كل شبرفيه وعرف مداخله ومخارجه.. ودرس وحفظ عدد الحراس وأماكنهم..واكتشف أن في هذا السجن الحجرى المنحوت في الصخر تحت قصر الملك .. أكثر من ألف عبد من مختلف الجنسيات يجهزون للإبحار فيي عدد من السفن التي ترسو أمام الحائط الصخرى عل حاجز من الصخور يؤدي إليه سلم ينتهي بباب كهف متصل بالسجن يحرسه عدد من الحراس..
وبعد أن رسم خطته طالب من مرافقيه اصطحابه عائدين عبر السجن إلي قصر الملك..
واستقبله الملك الذي كان وحده بعد أن صرف رجاله وبقي يتناول الشراب والطعام مع جارية جميلة.. كانت تعزف وتغني..
طلب الهراس من أبي زيد أن يشاركه الطعام والسمر وأمر بانصراف بقية الحراس.. وفوجئ الكاهن بعد أن مضت عدة ساعات عليهم وهم في سمر يتبادلون الأحاديث والنكات- وقد سحر الهراس بما حدثه عما رآه في رحلاته التي شملت كل الصحراء حيث ولدت ورآها تغمز له وكأنها تريد أن تقول له أنها تعرفه..
وكانت الأشعار التي تغنيها تحكي عن إحدى مغامراته القديمه.. وهنا قرر ألا يؤجل خطته أكثر من ذلك وقد تبادل الإشارات معها فأكدت له أنها عرفته وأنها معه.. ولكنه ظل يسامر الملك الهراس ويسقيه حتى بنجه ببنج قوي .. وتأكد أن كل شيء علي ما يرام.. وبسرعة وسده في سريره.. وتركت هي عودها.. وانطلقت تساعده.
ورآها تمتشق سيفا فظنها لوهلة علي وشك خيانته ولكنها كانت تريد أن تؤكد له أنها مقاتلة أيضا بقدر ما هي جميلة ومغنية.. وهمس لها بخطته.. وفتحا الباب المؤدي إلي السرداب وانطلقا في ثقة نحو السجن..
ولم يشك الحراس في أي شيء فالراهب كان هنا منذ ساعات بأمر الملك وأكثر من ذلك كانت مع جارية الملك المفضلة التي يعرفونها جيدا..
فتحول له الباب وتركوه معها ليشبع رغبتها في التشفي في دياب الفرجة علي السجن والمساجين ورفض أن يصحبه أحد منهم.. فهو يعرف طريقة جيدا.. واستطاع بخفة أن يجمع أكثر الحراس حول شراب مبنج أفقدهم وعيهم.. وفكت الجارية قيود دياب.. الذي كان في حالة سيئة من القهر والعذاب.. وتخلصوا من بعض الحراس في طريقهم.
ثم حدث أبو زيد العبيد الأسري المخطوفين من بلاد عديدة بلغاتهم ففرحوا لأنه سيحررهم.. وأقسموا علي طاعته فشرح لهم خطته للإستيلاء علي المدينة وتخليصها من ذلك الهراس تاجر العبيد.. وقسمهم إلي أقسام.. ووزع عليهم المهام.. ثم صعد إلي حجرة الملك وهنا لم يتمالك دياب نفسه فأيقظه بقسوة وهو مذهول مما يجرى .. وقتله..
وبينما كان بعض العبيد المحررين يستولون علي السفن، كان البعض الآخر يخرج للاستيلاء علي المدينة.. التي كان معظم أهلها يتوقون للتخلص من الهراس..
وتجمع تجار وأعيان المدينة وطلبوا من أبي زيد أن يجلس كبيرهم علي عرش الهراس.
وحملت كنوز الهراس وتحف قصره في المراكب ورحل أبو زيد ومعه دياب إلي اللاذقية حيث وجدوا مرافقيه ما يزالون في الإنتظار.. فأرسل بعضهم يحمل البشرى إلي بني هلال.. بعودتهم سالمين رافعين رايات الانتصار..

الموت في الغربة

الموت في الغربة
قال الراوي..
لما طالت الحرب بين العرب الهلالية وبين الزناتي خليفة.. وطال حصارهم لتونس الخضرا.. ظلت حربة أبو زيد التي أراد بها قتل الزناتي حين هرب أمامه والتي اخترقت الباب عالقة به.. لا يجرؤ علي انتزاعها أحد..
وكان أبو زيد يأتي كل يوم إلي باب المدينة صارخا طالبا الزناتي للقتال.. وكل يوم يرسل إليه الزناتي الأبطال إثر الأبطال.. فيعودون قتلي أو جرحي في أسوأ حال .. فكتب الزناتي إلي أبو زيد يطلب وقف القتال فاجتمع رجال بني هلال عند الأمير حسن ليتدارسوا ماذا يفعلون وكيف علي الرسالة يردون..
وبينما هم يتناقشون إذ دخل عليهم أحد العيون، من الذين يتنكرون ويتسللون بين صفوف جند الزناتى وفي أسواق نونس يبيعون ويشترون، وهم في الحقيقة يتجسسون .. وأخبرهم أن الزناتي يطلب وقف القتال، بسبب سوء الأحوال..
وأنه أرسل لساعته خطابات إلي رجاله وإخوته، أن يهبوا لنجدته..
وهنا قرر أبو زيد أن يذهب مع قومه من بني زحلان ليقطعوا الطريق علي القادمين قبل أن تزداد بهم قوة الزناتي.. والحقيقة أن الأمير حسن لم يكن مرتاحا لهذه الفكرة وخاف أن ينتهز الزناتي الفرصة لو عرف بغياب أبو زيد وبني زحلان في الغرب- وهو يعرف بغياب دياب في الشرق في حراسة الغنم والقطعان- فيخرج إليهم. وتدور الدائرة عليهم..
لكن أبو زيد طمأنة أن الزناتي المهزوم لن يحرك ساكنا إلا إذا وصلته النجدات.. وهو سيقطع الطريق عليها من كل الجهات..
***
حين أرخي الليل ظلامه.. أنسحب أبوزيد علي رأس بني زحلان.. قاصدا بلاد الغرب ليقطع الطريق علي أنصار الزناتي وإخوته.. وكانت خطته أن يتم الأمر سرا.. فلا يعرف به الزناتي..
ولكن الريح دائما لا تواتي..
فكما أرسل هو العيون لترصد تحركات جيوش الزناتي وتعرف مدى قوته.. أرسل الزناتي أيضا عيونا وأرصادا تراقب حركته..
لكن الزناتي انتظر حتى ابتعد أبو زيد.. لكي يخرج للقتال من جديد.. وخدمته الظروف خدمة جليلة.. كانت علي بني هلال كارثة وبيلة .. إذ أن أبو زيد أثناء جولة ليلية.. عقصة ثعبان أو حية جبلية.. وأصابة إصابة بالغة.. كادت أن تودي بحياته.. وأجبرته حين عاد أن يرقد عاجزا في الفراش..
وعلم الزناتي بما حدث.. فلم يضعالوقت.. ودق طبول الحرب في الحال .. ليشن الغارة علي بني هلال وهم في كرب لغياب الأبطال أبو زيد ودياب..
وما أن طلع الصباح.. وأضاء بنوره ولاح.. وأشرقت الشمس علي الروابي الخضر والبطاح.. حتى خرج الزناتي في لباس القتال.. وطلب الأبطال للنزال ..
وتظاهر الأمير حسن بالغضب حين رأي الزناتي يصول ويجول .. وهو ينادي ويتحدى الجميع بمنظره المهول .. وندم لأنه سمح لأبي زيد بالخروج لقطع الطريق علي النجدات .. ومن قبل أرسل دياب لحراسة القطعان والمال والجمال..
فهب من علي كرسيه طالبا الخروج إليه.. وكأن لسان حاله يقول امنعوني أن أخرج إليه.. وأسرع الأمراء فمنعوه.. متظاهرين بالخوف عليه.. وقالوا له:
- لا يصح.. وماذا نفعل من بعد إذ لا سمح الله حصل ما لا تحمد عقباه.. وأبو زيد في الغرب ملسوع من الثعبان .. ودياب في الشرق يرعى القطعان..
وهنا هب الخفاجي عامر وخجل وطلب الزناتي..
وحاول الأمير حسن أن يمنعه.. قائلا:
- هذا لا يصح وأنت ضيف علينا.. والضيف ليس له أن يقاتل عن مضيفه..
فرفض الخفاجي عامر وأقسم أنه إن لم يخرج لقتال الزناتي الآن.. فسوف يرحل هو ورجاله عائدا إلي بلاده..
فالأمر الآن لا يسمح بالضيافة..
وليس الخفاجي عامر بالذي يهرب من قتال الزناتي أو يخافه..
والتقي البطلان في الميدان.. وطال بينهما الكر والفر.. ولم يكن الخفاجي عامر بالمقاتل السهل .. ولا كان بالفارس الضعيف..
وظل الفارسان يتناوبان الضرب والطعان ويتبادلان الكر والفر.. حتى كل الزناتي ومل.. ولكنه ظل يتلقي هجمات الخفاجي بمهارة.. ويبادله الغارة بالغارة.. حتى فرق بينهما الظلام.. وعاد كل منهما إلي معسكرة لينام..
وفي اليوم الثاني.. عادا للقتال وظل الحال علي ما كان عليه.. فلا الزناتي بقادر أن ينال من الخفاجي ولا الخفاجي وجد الفرصة ليتغلب علي الزناتي .. وظلا يدوران بين كر وفر.. إلي أن كل الزناتي ومل.. فطلب وقف القتال..
وفي اليوم الثالث.. فر من أمام الخفاجي عامر بعد أن هده النزال..
ولما عاد إلي المدينة وهو في أسوأ حال .. تقدم منه ابنه مطاوع وقال:
- غدا سأختبئ يا أبي في الميدان.. وحين يهاجمك، أنكسر أمامه بجواري حتى إذا ما جاوزني خرجت عليه من وراه.. وطعنته في قفاه وأعدمته الحياة..
أما ما كان من أمر الخفاجي عامر.. فقد تعجب من فرار الزناتي .. وعاد إلي بني هلال .. فاستقبلوه بالأغاني والتهاني.. ولأنه كانت متعبا.. فقد راح إلي خيمته كي يستريح .. وأخذت زوجته وبناته يخففون قسوة القتال عليه.. فبدلوا ملابسه وطيبوه.. وغسلوا قدميه .. وفي فراشه أرقدوه..
فراح في النوم من شدة التعب..
لكنه هب فزعا من النوم لمنام رآه فأفزعه.. وحلم قض مضجعه..
وأسرع علي صوته أهله وأعوانه.. فروي عليهم ما رآه في منامه:
- رأيت وكأن شجرة خضراء يانعة.. نابتة أمام خيمتي.. وكأنني زرعتها بنفسي ورويتها بعرقي.. فأثمرت وأينعت.. وإذ بحطاب كئيب الوجه.. خبيث الضحكات والصوت يتقدم منها.. ويجتثها من جذورها وكأنما كان للشجرة صوت يتألم .. وإن لم أسمعها.. وكأنما كانت تريد أن تتكلم .. ولكني لم أكن أفهمها..
حاول الجميع التخفيف عنه.. وتفسير الأمر كنتيجة للإرهاق والتعب.. بعد ثلاثة أيام من القتال المرير.. وقالوا له أن الجسد المتعب يستريح بالنوم في فراشه النفيس.. والنفس المرهقة .. تروح عن حالها.. بالكوابيس..
ولكن تابعه ظريف.. لم يشأ أن يكشف عن تفسيره المخيف..
وقرر أن يكون في الغد قريبا من سيده.. ليحاول وقت الشدة أن ينجده..
***
فوجئ الخفاجي عامر بالزناتي بعد ساعة من القتال يفعل مثلما فعل بالأمس .. ورآه يفر من أماه .. وهو يغريه باللحاق به.. فطارده وكاد أن يفتك به.. وفجأة برز من خلف تبة هناك.. ابن الزناتي مطاوع.. وفي لمح البصر سدد سهما نحو ظهر الخفاجي فأرداه.. ورآه ظريف يخون مولاه.. فأسرع إليه ولكن بعد فوات الأوان.
وأن كان حز رقبته.. بينما كن الخفاجى يسقط من فوق ظهر الحصان.. كشجرة بلا أغصان.
***
قال الراوى..
عم الحزن معسكر الهلالية لمقتل ضيفهم الخفاجى بن عامر.. وارتفع الصراخ والنواحي حتى عم الوديان والبطاح.. بينما عاد الزناتى إلى تونس وسط مظاهر السرور والأفراح واجتمعت كل العربان تبكى فى الخفاجئ عامر البطل والإنسان.. وهو الجميل الصور الرقيق والوجدان.. رثاه الشعراء وبكته النساء .. وكسر الفرسان أسلحتهم على الجثمان .. ثم غسلوه وطيبوه وكفنون وواروه التراب فى تلك الأرض الغريبة والنفس لا تدري بأى أرض تموت .. وللموت فى الغربة رهبة.. سواء فى ساحات القتال أو تحت سقف البيوت..
وخروج الزناتى فى اليوم التالي… غير مبال بحزن بنى هلال… مطمئن البال لغياب أبو زيد ودياب..
أخذ يدور ويلف على فرسه المجنونة … يتحدى الفرسان كي يخرجوا ويقاتلونه:
ما بالكم يا بنى هلال…
هل فرغ منكم الأبطال..
أم مات الرجال…
من سيخرج للزناتى خليفة؟
أم إن قلوبكم خفيفة.
لا تحمل رؤية طلعتنى المخيفة؟‍..
****


قطع الصمت صوت القاضى بدير قائلاً:
- لا يصح أن نسكت عليه.. لابد أن يخرج أحد إليه .. وسوف أكتب أوراقاً بالأسماء … ومن تخرج بالصدفة ورقته يخرج إليه.. مضحياً برقبته..
قالوا: هذا أمر صواب لا يعاب…
ولما كتبوا الأوراق .. مد القاضى بدير يده كي يخرج ورقه من يخرج القتال الزناتى .. وأخرج إليه… مضحياً برقيته.
قال: عمرى راح…
قالوا: أنت صاحب الاقتراح..
فقام وزار قبر الخفاجى عامر وقد أحسن أن أجله قد دنا وحل موعد ارتحاله عن الدنا وأنشد يرثى الخفاجي ويرثنى نفسه..
ولسان حاله يقول.. ليس من أمر الله مهرب.
ثم قال: إذا حل الأمر.. فليس له زيد ولا عمر…
وشد حيله وقامته..
وامتطى فرسه وأخذ عدته..
ثم رمي العمامة ولبس الخوذة ونزل الميدان..
قال له الزناتى:
- من تكون أنت من بين الفرسان؟‍
قال له:
- أنا قاضى العربان.
فسخر الخليفة وابنه وهو يقول:
- أنت قاضى وتعرف الحق من الباطل.. وتنزل القتالى.. بل وتأتى من بلاد البعيدة أطفالى.. وتنهب مالي .. وهاد قد غاب عنكم دياب وأبو زيد .. ولذا سوف ترون أنا بأسى عليكم اليوم شديد.
***
ولأيام طوال .. قتل فيها القاضى وعشرات ومن الأبطال.. جز غياب أبو زيد ودياب على بنى هلال الوبال.. وجعلهم فى أسوأ حال..

حلمك يا دياب

حلمك يا دياب
أشتد الكرب ببنى هلال… وضاقت عليهم الحال…..
أبو زيد فى الغربى مريض يعانى من عضة الثعبان ودياب فى الشرق يرعى القطعان من أبل وأغنام والزناتى الذى قتل الخفاجى عامر والقاضى بدير يصول ويجول طالباً والنزال والقتال منتهزاً فرصة غياب الأبطال..
وفى كل يوم يخرج إليه فارس من الفرسان… فلا يلبث – إن طال بينهما القتال أو قصر – أن يجندله أو يقتله .. حى قتل أكثر من ثمانين أميراً ما بين كبير وصغير كان أولهم وأكبرهم القاضى بدير..
***
قالت الجازية للأمير حسن:
- لقد فتحت ملحمة أبى سرحان … التى أقرأ فيها ما سيكون على ضوء ما كان بإذن الواحد الرحمن فأخذتنى الأوراق والحروف… وصرح لى الكتاب أنه لا يقتل الزناتى سوى الأمير دياب وأنت يا أمير حسن أرسلته ليحرس القطعان وليرعى الغنم فى لوديان.. فابعث إليه كتاباً على وجه السرعة كي يعود.. قبل أن يفنى الزناتى بقية الجنود..
فقال الأمير حسن:
- ارفعى يا جازية هم دياب عنى .. هو لن يجينى أو يسمع منى… فأسرعت الجازة إلى صيوانها… وكتبت كتاباً فأسرعت الجازية إلى صيوانها.. وكتبت كتاباً لدياب تستنجد به وتستغيث وتستحلفه بدماء الضحايا ومنهم أخوة بدر خير الفرسان وموسى حامى العربان ومثلهم وطلبت منه ألا يجعل أى شىء يعطله فى الطريق وأن يضع نصيب عينيه ما هم فيه من ضيق.. ثم جمعت حوله البنات العذارى اللاتى قتل أبائهم أو أخواتهم والأمهات اللآتى قتل أبنائهم .. ليخبرنه أن دموعهن ستظل على الخدود تناديه وتنظره حتى يعود. ومعه دياب دون تأخير أو غياب أو أخذ النجاب سعد الكتاب. وانطلق يطوى السهول والهضاب، ويصل الليل بالنهار لمدة عشرة أيام.. حتى وصل إلى مكان فسيح ملئ بالأشجار.. يانع الأزهار .. يحيط بمدينه عالية الأسوار فأخذ يدور حولها.. ليجد سبيلاً للدخول إليها فوجدها شيئاً يحير العقول فى المنعة ووجد على بابها الكبير لوح من الذهب مكتوب عليها تاريخها فى ألف عام .. يحكي أن أهلها كانوا من الكرام. وكان بها ألفين من الجوامع وألفين من الحمامات والأسواق … ولا يوجد مثلها فى مصر ولا فى العراق .. ولكن الفساد بدأ يستشرى فيها… فجاب عليها واطيها، وسبحان مدبر الأرض ومن عليها.
ورأى النجاب سعد بالقرب منها نهراً رائقاً وحدائق وأعناب .. وعيون ماء رائق.. فنزل عن هجينة ليريحه ويستريح.. ولكن الهجين شط عنه فلت منه وسار نحو قطع من الجمال تألف معهم وتألفوا معه .. فلما ذهب ليرجعه.. هاجمه رجال صاحب المكان وقبضوا عليه.. وأخذوه لحاكمهم الذى حكم بالموت عليه.جزاء تعدية على أرضه. وكان سعد قد ربى ذلك الهجين منذ حوله فى صياح.. شق صفوف الناس واقتراب منه..
وأخذ يعلق وجهة بشفتيه وكأنه يهمس فى أذنيه ودموعه فى عينيه.. فكبر الناس وهللوا .. ورأى الحاكم المنظر فأذهله .. فأرسل لحراسة أن يأتون بهذا الرجل إليه: وقال له:
- هل أنت سحار؟
- فرد سعد نافياً.
- لا وحق الواحد القهار.. ولكن الإنسان حين يطيع الله فى كل شىء ..يطيع له الله كل شىء.
وهنا قال الملك:
- عندك حق .. وفى بعض الأحيان يكون الحيوان أكثر وفاء من الإنسان.
وأطلق سراحه بعد أن خلع عليه خلعه ملكيه… ولم يصدق سعد أنه نجا من اشنق فانطلق يسابق البرق، حتى وصل إلى وادي الفضاء وبر غلام بعد المرجة الخضراء حيث دياب يقوم هو ورجاله من الزغابة، بحراسة قطعان بنى هلال من الوحوض والديابة.
وكان هذا الأمر قد حز فى نفسه ولم يغفر للأمير حسن أنه أبعده القتال .. ليرعي الغنم والجمال.. هو فارس الفرسان، وقاهر الأبطال والشجعان..
ولما سأله دياب عن أحوال الأهل والخلان… بكى سعد بكاءً مراً .. وراح يقص عليه ما حدث منذ رحيله ثم غياب أبو زيد .. ومتقل القاضى بدير ومن بعده عقل وأخيه معيقل.. وما حدث لأخيه البدر.. ثم حكى قصة مقتل ضيفهم الخفاجي عامر .. ثم أخبره أن هناك الكثير من الشباب والعذارى تيتمن ومن الأمهات ترملن… ولما سأله عن أحوال الزناتى أن كان قد رآه فأخبره بما عاينه من هول منظره.. وما سمعه من علمه ومعرفته بعلوم النحو واللغة وعلوم الفلك والسحر والأبراج..وكيف أن الأهل صاروا مرعوبين منه لا يجرؤ أحداهم على الخروج إليه…
***
جلس دياب ساهماً يفكر فيما فعل بنى هلال معه.. فقرر أن ينتقم لكرامته .. ليشفى نفسه من علته ومرارة نفسه وأن يسقيهم كأساً أذاقوه من مرارة. فكتب كتاباً للأمير حسن.. يطلب منه إرسال براقع بنات المتيمين من بنات القتلى الأمراء الثمانين.
وهدد بأنه لن يعود إليهم إن لم يرسلوا ما طلبه وسيظل فى وادى الفضاء يراعى الأغنام ولن يشارك فى القتال أو يعود إليهم… ولو انطبقت على الأرض السماء..
حين وصل سعد إلى مضارب بنى هلال وحدة تجمعت حوله بنات المعذورين وزوجات المقتولين على يد الزناتى وهم غير مصدقين أن يرفض دياب نجدتهم والانتقام لهم خاصة وقد قتل إخوة له فيمن قتل الزناتى..
ولكن الجازية عندما عرفت شرط دياب.. عرفت بما فكر فيه… وعذرته لأن ما فعله حسن معه كان شيئاً لا يليق … أهان دياب وأوقع بنى هلال كلهم فى الضيق…
فقامت على الفور وذهبت إلى ميدان القتال وأخذت تجمع تجلطات الدماء من على الأرض .. والتى جفت على الرمال فصارت مثل كبود الجمال.. ثم ملأت بعض القدور بالماء وسخنتها على النار وبعد ذلك ألفت بالدماء الجافة فاتنلت من سخونة الماء.. ثم صفت الخليط وتركته يبرد واخضرت براقع العذارى وكتبت على كل برقع اسم صاحبته واسم زوجها أو عمها أو أخيها أو أبنها القتيل.. ثم طبقت البراقع ووضعهم فى قاع جراب وغطتهم بالتمر وقالت لسعد الهجين وأسعد النجاب..
-إذا سألك الأمير دياب ما الذى معك فى جرابك.. قل له أن هذه زوادتى فإن قال لك أطعمنى فاكبش قبضة تمر منها وقدمها إليه.. وعندئذ سوف يغضب ويثور ويتهمك بالبخل وحين يهجم عليك ليأخذ الجراب منك.. لا تعطه له إلا وأنت ممسك بالشهاب فتكون تلك حضنا أمنياً من غضبة وثورته .. فقال سعد لها.
- سمعاً وطاعة..
***
ثم أنه فعل بالضبط مثلما قالت له … وحين غضب دياب وانتزع منه الجراب أسرع واحتضن رقبة فرسه الشهبا كأنه يستنجد بها.. ولو لا لذلك القطع دياب رأسه .. لأن غضبه قد زاد وملك منه نفسه عندما دس يده فى الجراب وأخرجها فخرجت ببرقع زوجه الخفاجي عامر.. فاختنق من الغيط ودس يده مرة أخرى.. فخرجت ببرقع زوجه بدر بن غانم ثم برقع زوجه موسى..
وكلما خرج برقع فتاة أو أمراه وليس منهن إلا قريبة أو عزيزة . وانتفض دياب وصاح.. صيحة زلزت البطاح وهاج وثار ولف ودار وهو يرفع سيفه يريد أن يهدى غضبه ويفش غله.. م يكن أمامه سوى سعد فهجم عليه.. ولكنه لما رآه يحضن فرسه الغالية العزيزة عليه.. هدأت نفسه قليلاً وكاد يضحك من منظره وهو لابد تحت بطنها وقد احتضن ساقيها مرعوباً مقطوع النفس كالفأر المحاصر فقال له:
- عليك الأمان يا سعد والله لولا الخبز الذى بينى وبينك لكنت أطحت برأسك ولو كان مكانى حسن الهلالي.. لكنت مزقته ولا أبالى.
اخذ سعد النجاب يتحرك فى بطء وهو لا يصدق أنه نجا من هذه الغضبة الهائلة..
وأخذ يراقب دياب وهو يجز على أسنانه ويعانى من السيطرة على مشاعره التى كانت تغلي بالغضب مما فعله حسن الهلاى به وحكمة عليه أن يخرج من القتال ليعمل حارساً وراعياُ للمال والجمال.. وقلبه يكتوى بلهيب الحزن كل هؤلاء الفرسان الذين راحوا ضحايا خلو الساحة أمام الزناتى .. فى غيابه..
- فليسمع حسن الهلالي كلمتى.. وليدفع ثمن إهانتى .. وغيبتى عن أهلى وعشيرتى … أذهب وقل له إننى لن أركب ولن أقاتل الزناتى ولن أقتله.. إلا أن جاءنى هنا ثمانون من أمراء هلال.. ومثلهم من فقرائها ومثلهم من فقهائها حاملي القرآن.. كما أنزل على سيد ولد عدنان.. وعلى رأسهم أبى غانم .. وعلى رأسهم أبى غانم وأختى غنيمة.. ساعتها سوف أعود معهم لنجدتهم ولأقتل الزناتى وأفرج عنهم كربتهم.
ابتسم سعد فى مكر وقام من مكانه تحت الشهبا وهو لا يصدق أنه نجا .. وقال له مداهناً.
- يا فارس الفرسان ومجندل الشجعان.. ألا ترى أننا نضيع الوقت .. والزناتى يصول ويجول وينتهز هذا الغياب ليقطع الرقاب.
كاد دياب أن يعود الثورته… ونظر لسعد نظرة أفقدته قوته وخلخلت وكبته ..
- لا تغضبى يا سعد …
أسرع سعد يتعذر وهو يفافئ فزعاً:
- لا .. لتعدمنى الحياة لو أننى فتحت فمى بعد ذلك.
ضحك دياب لمنظر … ثم شهر حربته فجأة فأفزعه وشل حركته.. وقال:
- انظر يا سعد .. هذا الذئب الراقد تحت الشجرة . بينى وبينك… انظر .. إن قلت هذا الذئب فهو بشارة بقتل الزناتى .. وإن سلم الذئب قتلتك أنت.
ثم أطلق حربته نحو الذئب لكن الذئب استشعر رفيف الحرية فقفز فى خفة ذئب مذعور وفر هرباً.
فارتعد سعد وأيقن بالممات .. وصاح:
- يرحمك الله يا سعد برحمته الواسعة.. فقد عدمت الحياة..
وزحف كالجرو نحو الحربة يسحبها ليجد فرصته لا ستجداء النجاة..
وما أن سحب الحربة حتى تدلت منها حية مسمرة عينيها فى سنها الحاد.
فأخذ سعد يرقص ويقفز فرحاً كالمجنون .. كسجين فك أسره.. أو محكوم أعتقت رقبته.
فضحك دياب لمنظره .. وقال.
- والله لو لا طلعت هذه الحية مسمرة فى سن الرمح لكان رأسك مكانها يا سعد..
فقال سعد المرعوب:
- وأنا والله يا أمير دياب… عند رأيت الذئب يفر.. نويت قتلك..
فكاد دياب يختنق من الضحك .. وقال فى تبسط…
- وأهون عليك يا سعد..
فقال سعد وهو يسلمه الرمح بعد أن انتزع منه الحية:
- ألف ذقن ولا ذقنى … يا روح ما بعدك روح..
كف دياب عن الضحك فجأة وكست وجهه ملامح الغضب التى ترعب كل من يواجهه.
- هيا لا تضيع الوقت.. أياً كان الزناتى ذئب أو حية .. فأنا قاتله … هيا وأبلغ ابن الهلالي بشروطى .. وعد بالموكب المطلوب.. ليعود على رأسه قاتل الزناتى..

لا آكل طعام عدوى

لا آكل طعام عدوى
لم يصدق حسن الهلالى ما قالوه أن الكتب قالت إن دياب هو الذى سيقتل الزناتى .. وقال أن هذا من الخرافات..
أو هو من أكاذيب سعدة بنت الزناتى التى ودعت أن تفتح أبواب تونس أمام أهل حبيبها ولم تفعل…
ويقول الراوى…
إنه على العكس من ذلك صدق وتأكد من قراءة الرمل.. أن دياب هو قاتل الزناتى .. حتى ولم تمكن منه فارس آخر .. وحده دياب الزغابى هو الذى ينتزع الحياة من قلب الزناتى.
ولهذا أسرها فى نفسه وأصر على إبعاد دياب بعيداً عن المعركة والنزال .. ودبر حتى اختاروه لحراسة المال من قطعان الأغنام والجمال.. وأرسلوه بها بعيداً عن ساحة القتال.. هناك فى وادي الفضاء وبر غلامس وأرض العويجة والمرجة الخضراء.. ومعه كثيرون من الزغابة وبعض العبيد والإماء..
لكن الأمور تغيرت والأحوال تبدلت .. وبعد أن كان الزناتى يرفض الخروج من الأسوار ليقاتل.. أصبح يوماً على الله يصول أمام معكسر الهلالية وهو يصيح فى عنجهية: هل من منازل..
فأبو زيد هو الآخر طريح الفراش بعد أن عضه الثعبان.. ولم تجد معه المراهم والبلاسم فرقد عاجزاً مشلولاً .. لا يناجز ولا يبارز..
وأثناء هذا قتل الزناتى العشرات من أمراء الهلالية.. واضطرب حسن أن يرسل تحت ضغط الجازية وأبناء وبنات المقتولين وبناتهم لاستعداء دياب لينجز مهمته التاريخية… ويخلصهم من المأزق الذى وضعتهم فيه غباوتهم فى فهم الإرادة الإلهية..
ووجدها دياب فرصته للانتقال ممن يتمنون موته ولإذلال حسن نفسه، الذى لا ينزال له من زور .. فركبه الغزو وتمادي فى إملاء شروطه….
وبينما هو جالس فى ظلال شجرة فى برية الغلامس فى انتظار وصول أبيه غانم وأخته غنيمة على رأس موكب يضم ثمانين أميراً وثمانين فقيراً وثمانين فقيها من الهلالية.. إذ جاءه بعض العبيد صارخين زاعقين مستنجدين:
- النجدة يا أمير دياب.. النجدة والغوث..
هب الأمير دياب على حيله..
وامتطى خير مهرة من خيوله.. وصاح بهم:
- من أى شىء تهربون وتصرخون؟!.
قالوا:
- عفريت من الجن خرج علينا مهول الخلقة طويل القامة.. رأسه فى السحاب وكعب رجله يشق التراب .. هجم علينا كالزاوبعة ما أسرعه، ويكف واحد اختطف فصيل من مالك وجمالك ورفعه من رقبته كأنه يمسك بأرنب فى قبضته وحطة على السراج أمامه .. ومثلما ظهر كالبرق اختفى كلمح البصر. وانصرف كما حضر..
قال الراوى..
لما حكي الرعاة لدياب ما نظروه … وهولوا فى وصف ما رأوه .. قام من فوره وامتطى فرسه الشبها.. التى صار لها زمان لم تخضن حرباً.. ونادى عبده بدران وقال له:
- قصى الأثريا يا بدران.. وهيا نحلق بذلك العفريت من بنى الحان…
ومضى بدران أمامه على الحصان يقرأ الآثار .. ويقوده على الطريق الذى سلكه المارد الجبار.. حتى انتهوا إلى خيمة أمامها صبية. لها قامة ألفية… وذات حسن وجمال .. وقد اعتدال .. وأمامها ذلك الجزور الذى سرق من صغار جمال دياب.. وهو مجزور… مقطع على جلده أمام الباب..
فلما رأتهما قادمين ، قامت لهما واقفة على القدمين.. حاسرة الرأس دون خمار ولا ستار.


صاح بها دياب المهاب:
- الزمى خباك يا امرأة السوؤ لا رحم الله من رباك..
صاحت به المرأة السافرة.. فى لهجة قادرة:
- الزم حدودك أيها الفارس .. فأنت هنا فر بر غلاس .. وهى أرض زوجى أبو خريبة الفارس الجبار أخو الزتاتى قاهر الأشرار…
قال العبد بدران:
- ياستار…
والتفت فإذا بجيش جرار من مائه فارس مغوار … صاح ما هذا ؟‍‍‍!…
فصاحت به:
- يا هذا .. أنه صاحب البت جاء ليقيم بناءه .. .ويحميه ويقتل أعداءه…
سخر منها دياب .. وأمر عبده بدران تلقاء القادمين وأمره أن يقتل أفرسهم ويأتى بفرسه فى غمضه عين.
فانطلق بدران وهو لا ينوى ملاقاتهم.. وعيناه تدوران فى المكان لتجد مفراً من مواجهتهم … فلم يجد خلف التل إلا حجر ضبع ساكنة ليس فيه .. فدفن نفسه فيه طالبا من الله أن يخفيه … وعن عيونهم يدرايه..
أما ما كان من أمر دياب فقد التف إلى زوجة أبى خريبة.. وقال:
- أما أنا فسأذهب للتوضأ ولأصلي الفرض حتى أكون جاهزاً الملاقاة فارسك ودفنة فى سابع أرض..
أما أبو خريبة فأنه عند وصل إلى حيث زوجته.. سألها حين رأى آثار الشهبا عمن كما فى ضيافته..
فقالت له عقيلة زوجته:
- أنه دياب أمير من بنى هلال … الذى خطفت هذا الجزور مما يملك من الجمال … وقد جاء يطلب الثأر منك ويدعوك إلى القتال…
- ارتجفت ركبتا أبى خريبة .. لكنه أخفى الخيبة .. فقد كان يعرف بل كل الزناتية .. وأن لهم فى سيف دياب ما يكفى من أسباب المنية..
فقال لعقلية:
- إذن لقد تعدينا عليه… وأغرنا على ما لديه .. فقومى فى الحال… وخذى له ملء هذه القصعة من اللحم والزبد. وحاولي أن ترجعيه عما ينتويه.. وعن قتالي أثنيه.. وصالحيه..انصحيه وأن يعود من حث جاء .. وإلا فلن يكون له بعد اليوم من رجاء..
ضحكت عقلية فى سرها .. وأخفت ابتسامتها فى كمها.. وقامت فجهزت اللحم والشواء وحملت منه أطيبه مع جرة ما .. وتتبعت أثر دياب حتى لحقت به عند العين..
وكان دياب قائماً يصلى.. فانتظرت حتى انتهي من صلاته.. ثم قربت منه اللحم والزبد ..ودعته للطعام .. ليسود بين زوجها وبينه السلام..
ولما انتهت من الكلام .. قال لها:
- يا عقلية .. ضعى الماء الذى أحضرته أمام الفرس… فإن شربت منه فسوف أسمع كلامك . ..آكل من طعامك..
ولما قدمت عقلية الماء ووضعته أمام الشهبا .. حمحمت الشهبا غاضبة ورفست القربة فسكبتها.
وهنا ضحك دياب وقال لها:
- أرأيت يا عقيلة.. أنا أكل طعم عدوي .. فقومى اذهبى إله وأجعليه ينتظر قدومى….
***
كان أبو خريبة حاكماً على هذه الأقاليم .. ولاه أخوه الزناتى عليها.. وأطلق يده فى قبائلها.. فأسرف فى الظلم حتى استجارت منه القبائل.. إذ كان يغير عليه كل حين ليخطف العذارى من بنات شيوخها وأمراءها ويضمنهن لحريمه .. وكانت عقيلة ابنته أحد شيوخ تلك القبائل خطفها وأسكنها فى البرية أنها لم تنجب له أطفالاً…
ولذا فكرت أن دياب قد يكون منقذها من هذا العذاب.. ولذا حذرته من أبى خريبة.. وقالت لدياب أنها تريد مساعدته لكي يخلصها مما هى فيه.. ويعيدها لأهلها..
قالت له:
- إنى أبى خريبة عندما يأكل فإن الجزور كله لن يكفيه . بعدها يصبح وحشا مقاتلاً .. لا يغلبه مائة فارس.. فاتركنى أذهب إليه.. وسوف أحذرك حتى لا تهاجمه وهو شبعان .. فتصبح هزيمته أمراً صعباً..
- قال دياب..
- وكيف أعرف أن كان شبعاناً أم جوعاناً؟
قالت له عقيلة:
- سوف أكون خارج الخيمة فإن رأيتنى أضع السرج على الحصان وركابه الشمال ناحية اليمن وركابه اليمن ناحية الشمل.. فاعرف أنه قد أكل .. وأصبح صعب المراس فلا تدعه للنزال أو للقتال…
أما إن وجدتنى أدق بالدقماق أوتاد الخيمة.. فهو فى أسوأ حال.. فادعه للقتال…
***
رأى دياب عقيلة فوق التلة تدق بالدقماق أوتاد الخيمة… فأطمئن قبله .. فقام وتوضأ ثم صلى .. واستلقى تحت إحدى النحلات ونام الشهبا ترعي بجواره..
وكان بدران ما زال قابعاً فى حجر الضبع ينتظر ما ستسفر عنه المعركة.. فإنه تمكن أبو خريبة من دياب خرج ليحمل الخبر المشئوم إلى الهلالية.أما إذا كان انتصر دياب خرج معلناً فرحته الكبرى.. يزف إلى الدنيا البشرى.. بينما كان قلبه يرتعد كلما تصور عودة الضبع فجأة وهو فى حشرته هذه التى لم تكن تخطر بباله..
أما أبو خريبة فقد قرر أن يأخذ على حين غرة بالغدر.. فحذرته عقلية وقالت:
- هذا عار ولكن لنرى همتك فندعوك الفارس الغدار.
ومع ذلك ركب فرسه ومضى صامتاً يريد أن يفاجئ دياب لكن الشهبا شمت رائحة الحصان فأسرعت نحو دياب وصهلت فوق رأسه.. فأيقظته .. فأسرع دياب وامتطى الشهبا فلم يتمكن أو خريبة من مفاجأته كما كان يتمنى.. فوقف كل منهما يتفاخر بقوته ويهون من شانه صاحبه.. فيثير غضبه.. حتى لم يعد هناك بعد الكلام كلام.. فحمل كل منهما على الآخر كالصاعقة ولما وجد أبو خريبة قوة خصمه .. وأخذ يغريه بالمال والجمال.. أن يوقف القتال وبمضى كل منهما إلى حال سبيله.. ولكن دياب المرصود لتقل الزناتى لم يكن ليفعل ويمضى كل منهما إلى حال سبيله. ولكن دياب المرصود لتقل الزناتى لم يكن ليفعل المصالحة مع أخيه.. الأقل شأناً منه فهجم عليه وكر حتى لم يعد هناك مفر .. فضربه ضربة كانت القاضية .. فوقع على الأرض يتخبط فى دمه.
وحين رأى بدران ذلك حاول الخروج ولكن الضبع كان قد أتى.. فلما رآه زام وهجم عليه ولا أن وجد فرع سنط جاف إلى جواره.. فأخذ يضربه به وهو راقد فى الحجر والضبع يحاور ويناوره.. حتى ضربه ضربة فوق رأسه.. فقأت فرع السنط إحدى عينه.. فجرى مهزوماً.. يصرخ من الألم .. انتهزها بدران فرصة .. كل ينطلق إلى حيث كان دياب قائماً بفرسه على رأس جثة أبى خريبة .. فهنأه بالنصر .. وأحضر سيفا وأراد أن يقطع رأس القتيل .. وكان لأبى خريبة شوارب طوال يتحدث عن طولها العيال والرجال.. ولذا حركها الهواء عندما مالت الرأس حين مسها على الرمال فانفزع بدران وانخلع قلبه وقفز مذعوراً إلى الخلف ليسقط فى بركة من مياه الخيل والدماء..
فنزل دياب ضاحكاً من منظره.. فقطع الرأس وحطها فى مخلة الجواد… وتوجه إلى خيمة عقلية .. فاصرت أن تضيفه … فأبى .. وقال :
- كريم الخصال لا يدخل ضيفا فى بيت بلا رجال…
فأكبرت عقيلة موقفه وطلبت منه أن يعيدها إلى أهلها .. وقد وقع حبه فى قلبها.
وأرادت أن تركب خلفه على الفرس.. فلم يوافق. وأرسل بدران ليحضر جملاً عليه هودج أركبها فيه.. ومضى بها والعبد يسحب الجمل وراءه حتى وصل إلى مضارب قبيلتها .. فخرج أهلها على صوت زغريدها.. والتفوا حول دياب يشكرونه وعندما اخبرهم أنه قتل أبى خريبة لم يصدقونه.
فقال دياب لبدران.
- هات الرأس من المخلة..
وحملها بدران يريهم إياها.. فهبت الريح وحركت الشوارب.. ففز كل الأقارب وخرجوا مرعوبين من المضارب.. فضحك دياب من جنبهم وصاحت عقلية بهم فعادوا .. وهم يقدمون رجلاً ويؤخرون الأخرى .. وأراد والد عقلية أن يكرمه.. فعرض عليه أن يهب له ابنته…
فقال له دياب:
- هل لها إخوة يا شيخ؟
- فقال الشيخ مباهياً مفاخراً:
- طبعاً لها عشرة إخوة من الرجال والأبطال…
فسخر دياب وقال:
- هذا واضح وفاضح يا شيح .. أشكرك على هديتك .. ولكنى لا أستطيع قبولها فلتدلى أبناء فى شجاعة أخوتها…
- ولوى لجام الشهبا وتبعه بدران .. وعادا إلى مضاربهم .. ثم أرسل بدران إلى بنى هلال حاملاً رأس أبى خريبة.